وهذا الذي انتهى إليه هو من السذاجة بمكان، إذ لا يمكن لأحد أن يحكم على تلك الجمل التي سردها، من حيث زمنها ودلالتها، بمعزل عن السياق، أي لا بد أن تكون ضمن كلامٍ يفهمه المتكلّم والسامع، وعليه فإنّ ما تَوَهَّمه من غياب الزمن في قولنا"الطفل سعيد"غير صحيح، لأنّ زمن الجملة مفهوم عند المتكلّم والسامع، وأنا حين أقول لِمَن هو أمامي:"السماء صافية"لا أقصد البتّة أنها كانت صافية وأنّها ستبقى إلى ما شاء الله كذلك، بل سيفهم مني، بالمشاهدة، أنّها لحظة راهنة، هي زمن التكلّم، طال أو قصر.
ولعلَّ الذي دفعه إلى توهّم الديمومة والثبات في قولنا"الطفل سعيد"اعتقاده أنّ الصفة المشبهة"سعيد"و"قويّ"تدلّ على الديمومة- هذا إذا أحسنّا الظنّ به وأنه سمع عمّا يسمّى بالصفة المشبهة- وهو اعتقادٌ غير صحيح، لأنّ من الصفة المشبّهة ما هو صفة عارضة، مثل"عطشان"و"شبعان"و"فَرِحٌ"و"سعيدٌ"ومنها ما هو ثابتٌ أو كالثابت، والثبوت أيضًا أمرٌ نسبي، فقد يلازم صاحبه، وقد ينفك عنه، وهذا ما عناه الرضيّ الأستراباذي حين قال:"الصفة المشبهة ليست موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة" (15) .
وأغلب الظن أنّ حكم الكاتب على مثل هذه التراكيب بعدم الصحّة، لخلّوها من الدلالة على الحقائق، وبالتالي فإنّ إطلاق مصطلح (الجملة الاسميّة) عليها خطأ=أمرٌ تسرَّب إليه من الإنكليزية التي تخلو قواعدها من هذا المصطلح وتستخدم ما يسمّى"المضارع البسيط"للدلالة على الحقائق الثابتة والمعتقدات، فرأى حينئذٍ أنّ إلباس العربيّة هذا اللبوس فيه نقدٌ أو إصلاحٌ للقواعد.
والحقّ ما عليه نحاة العربيّة من أنّ الجملة الاسميّة هي التي صدرها اسم، سواءٌ دلّت على حقيقة ثابتة أم متغيّرة، وأمّا مسألة الزمن فيها فشيء مستفادٌ من"الخبر"وطبيعته الاشتقاقيّة غالبًا، ومستفادٌ قبل كلّ شيء من السياق والقرينة.
2-لا يجوز تعدّد الخبر: