فهرس الكتاب
وقد قبل كثر من النقاد الكذب في الشعر من قبل المبالغة ( [75] ) ؛ لأن الشعراء غير مطالبين بتقديم حقائق عقلية منطقية، بل مهمتهم التخييل ( [76] ) .
والمبالغة أولًا وأخيرًا من مذاهب العرب رغبة في التوسع في الكلام ( [77] ) ، فبها يقبل الممتنع، ويُرفض المستحيل؛ لأن المستحيل لا يقع لا في الواقع ولا في الوهم، أما الممتنع فيمكن تصوره في الوهم ( [78] ) ، وعندئذ يصح وقوع الممتنع موقع الجائز في الشعر ( [79] ) .
وتفيد المبالغة زيادة في المعنى بحسب الغرض الذي يؤديه الشاعر مدحًا كان أو ذمًا، فتجعل المعنى أحسن مما هو عليه أو أقبح ( [80] ) .
وكان لها عند النقاد تعريفات مختلفة ( [81] ) فهي تفيد عمومًا زيادة في المعنى والوصف، وهي مرتبطة بالاستعارة أكثر من غيرها من الفنون البيانية لأن الغرض من الاستعارة بالخروج عن الحقيقة إنما هو المبالغ في المعنى، وأبلغ أنواع الاستعارة هو الترشيح لبنائه على تناسي التشبيه ( [82] ) .
وكذا الحال في الاستعارة التمثيلية ( [83] ) ، والمجاز المرسل ( [84] ) فبلاغته في إعطاء الكلام القوة بالإيجاز الذي فيه؛ كقولنا: فلان فم؛ أي يلتهم كل شيء؛ فهذا المجاز صوّره وكأن يده ورجله وعينه وأنفه كلها صارت فمًا يلتقط الطعام ( [85] ) .
وفي المجاز العقلي أيضًا تفخيم للمعنى وتأثير أكبر مما هي عليه في الحقيقة ( [86] ) . والمجاز عمومًا أبلغ من الحقيقة ( [87] ) .
ويتضمن التشبيه المبالغة، والشواهد التي أعجب بها النقاد كثيرة لما فيها من مبالغة ( [88] ) ، ولكن لا يتم هذا"إلا إذا كان المشبه به أدخل في المعنى الجامع بينهما... فإن لم يكن الأمر على ما قلناه من الزيادة كان التشبيه ناقصًا وكان معيبًا ولم يكن دالًا على البلاغة" ( [89] ) .