فهرس الكتاب

الصفحة 20867 من 23694

يقوم التخييل على عنصر ثالث مهم، وهو توسع الشعراء في معانيهم ومبالغتهم فيها للتأثير في المتلقي، والوصول بالمعاني إلى صورة مثالية تتضمن أسمى المعاني وأرقاها في الأغراض الشعرية المختلفة.

وتأتي المبالغة لغويًا ـ من عدم التقصير في فعل الشيء ( [61] ) ، والاجتهاد في الأمر ( [62] ) .

أما التوسع فهو ضد الضيق ( [63] ) ، ويدل استخدامه في الكلام على احتمال تأويلات مختلفة بحسب المتلقي أو معاني الألفاظ ( [64] ) .

وتدل المبالغة ـ اصطلاحًا ـ على الزيادة في معنى الكلام ووصفه على غير ما هو عليه في الواقع، وكأنها تخرجه إلى الاستحالة ( [65] ) ، متضمنة المغالاة والإيهام بأن المتكلم ملم بأطراف الموضوع ( [66] ) ، مع مراعاة الذوق السليم.

وتترادف مع الإغراق والغلو؛ فالإغراق نوع من المبالغة، فوقها ودون الغلوّ وبينه وبين المبالغة فرق، فهي تقترن بكاد وما شابهها مما يقربها إلى الحقيقة، أما الغلوّ فيبتعد عن الحقيقة ( [67] ) .

وتبقى المبالغة حسنة ومحببة كلما ابتعدت عن الاستحالة والغلو.

والجاحظ وقف موقف الاقتصاد في المبالغة بين الإفراط والتفريط ( [68] ) ، وكذا الحال عند أبي العباس ثعلب فخير الأمور أوساطها ( [69] ) ، ورأى المرزباني أن المبالغة أحسن من الاقتصار على الأمر الوسط ( [70] ) ، واشترط ابن سنان الخفاجي وقوع كاد وما جرى مجراها ( [71] ) . أما ابن الأثير فقد نصر المبالغة؛ لأن أحسن الشعر أكذبه بل أصدقه أكذبه ( [72] ) .

وهكذا فالمبالغة واقعة ومقبولة لا محالة؛ لوجودها في القرآن الكريم وفي البيان، ولكن يشترط فيها التوسط فلا إفراط ولا تفريط؛ فيُقبل منها ما يجعل الكلام لطيفًا عذبًا قريبًا إلى النفوس محببًا ( [73] ) .

ولا يمكن رفضها لاقترانها بالكذب ومنافاتها الصدق؛ فهي ليست كذبًا، فغايتها زيادة المعنى وتقويته لا تزييفه وقلب الحقائق وتغييرها؛ فهي تعبر عن العواطف التي تقصر اللغة عن التعبير عنها ( [74] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت