فهرس الكتاب
لا تجتني الطيبات يومًا من الغَرْ ... سِ يَدٌ كان غرْسُها الحسكا
فالبيت الثاني يؤكد لنا المعنى الذي جاء به في البيت الأول إيماء، مستخدمًا التمثيل والتخييل الذي يؤثر في المتلقي أكثر؛ لأنه يجعله يفكر ويتأمل ويقارن بين الحالين، ومن ثم يصل إلى المعنى المراد، وفي هذا التأمل والتفكير تقوية للمعنى وإثارة للخيال والصورة في ذهن المتلقي. ... في لفظةٍ وكأنها أفعى
ويوحي الشاعر إلى ما تفعله المزحة عن طريق الكلمة من أثر في سامعها ومتلقيها، فقد تكون ضارة مؤذية تحدث جروحًا في شعور من ألقيت إليه وقد تكون أحيانًا قاتلة، فنجده يومئ إلى هذا كله بتخييل عن طريق التشبيه قائلًا ( [59] ) :
ولَرُبَّ مزحة صادقٍ بَرَزَتْ
فهذه المزحة تلدغ كلدغ الأفعى، فكأنها تحمل سمًا ضارًا يؤذي ويقتل دون أن يشعر صاحبها بأثرها هذا. ... إنما هُنَّ قُرُوحُ
وكذا الحال في حديثه عن الذنوب والخطايا وما لها من أثر نفسي ووقع بشع بعيد عن الحق والخير، فالقلوب أصابها البلى من كثرة الذنوب والآثام، وأصبحت كأنها جروح متقرحة نتنة لها رائحة كريهة وأوحى إلى هذا المعنى في بيتين، يقول ( [60] ) :
كيف إصلاحُ قُلوبٍ
أحسن اللهُ بنا ... أن الخطايا لا تفوحُ
اقتصر بقوله: /أن الخطايا لا تفوح/ عن تلك الرائحة النتنة البشعة التي يمكن أن تصدر عن الخطايا وتصيب الناس بالأذى والضرر، وأوحى إلى فضل الله علينا بأن لم يجعل للخطايا رائحة تفوح بقوله: (أحسن الله بنا) .
وهكذا كانت تخييلات أبي العتاهية في وعظه الناس وتقديمه العبرة لهم عن طريق الإيماء والإيحاء أكثر وقعًا وتأثيرًا في المتلقي، بخلاف لو أنه اعتمد التصريح والحقيقة المباشرة، مع أنه لم يغالِ كثيرًا فيها فهي قريبة إلى الواقع والحقيقة ولكن جمّلها التخييل والتصوير القائمين على الإيماء والإيحاء.
3 ـ المبالغة والتوسع