فهرس الكتاب
وقد اتخذ أبو العتاهية من الإيماء والإيحاء وسيلة في تخييلاته لإيصال أفكاره ومشاعره إلى الآخرين ولا سيما أنه خاطب مجتمعه بما يفهمه ويعايشه أهله وخاصة أمور الحياة والموت وما بعد الموت في الوعظ والاعتبار؛ فنجده مثلًا يخاطب القبر ويحاوره، يريد أن يتبين مصير الناس عامة بعد الموت ونزولهم القبر، ويومئ ببعض مفرداته وصوره إلى أولئك الناس الذين كانوا يعيشون في نعيم وترف وغنى ورفاهية؛ يقول ( [57] ) :
إني سألتُ القبرَ ما فعلَتْ
فأجابني صيَّرت ريحَهُمْ ... تؤذيك بعدَ روائحٍ عَطِرَهْ
وأكلتُ أجسادًا مُنَعَّمَة ... كان النعيم يهزّها نضِرَهْ
لم أبق غير جماجمٍ عَرِيَتْ ... بيضِ تلوحُ وأعظمِ نخِرَهْ
فالشاعر هنا أراد أن يعظ الناس بالعمل للآخرة والاستعداد لها، وأراد أن يخصّ منهم أولئك الناس المتنعمين بلذات الحياة وخيراتها وزينتها من لباس وعطر وغير ذلك، فأومأ إلى هذا بقوله (بعد روائح عطرة ـ أكلت أجسادًا منعمة ـ كان النعيم يهز نضرة ـ جماجم عريَت بيض ـ أعظم نخرة...) / زالت كل زينة وأثر من آثار النعمة، وجاء بهذا المعنى أي زوال النعم وعدم بقائها والرجوع إلى الخلقة الأولى ـ عن طريق هذا الإيحاء والتخييل بالصورة الفنية، وهو بهذا التخييل القائم على الإيماء والإيحاء قرّب المعنى إلى المتلقي بالتعريض والكناية لا التصريح، فالوجوه يعفّرها التراب، وفي هذا شيء من الذل والإهانة والضعف، والروائح كريهة جدًا فهي ضارة تؤذي وتسبب المرض لمن يشمها، والأجسام تآكلت وراحت عنها النعمة والنضارة ـ وتجلت لنا الصورة الأخيرة التي صار عليها الناس: صورة لهيكل عظمي، لا لحم ولا شعر ولا جلد عليه، حتى العظام فإنها نخرة خاوية. ... امرؤ طاب زرعُهُ وزكا
ويقول حاضًا على فعل الخير للحصول على الخير، فمن زرع خيرًا حصد خيرًا، لكنه لم يصرّح بهذا صراحة، وإنما خيل إلينا وصوّر فأومأ وأوحى ( [58] ) :
الحمد لله حيثما زَرَعَ الخيرَ