فهرس الكتاب

الصفحة 20874 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 95 - السنة الرابعة والعشرون - أيلول 2004 - رجب 1425

فهرس العدد

وهكذا نجد أن المبالغة تدخل في أقسام علم البيان كافة مع اختلاف في درجاتها فهي أقوى ما تكون في الاستعارة ومما نجده في شعر أبي العتاهية تصوير الجهل والذل وتشبيههما بالدنس الذي ينبغي لكل إنسان التطهر منه؛ يقول ( [1] ) : ... فلست على عَوم الفراتِ بطاهِرِ

إذا أنت لم تطهُرْ من الجهل والخنا

ففي هذا مبالغة في التنفير من الجهل والخنا؛ فَلِما فيهما من الدنس نجد أن ماء الفرات بغزارته لا يطهّر الإنسان منهما. والغاية من هذه المبالغة والتوسع الوعظ والنصح. ... قد أهلكت قبلكَ الأحياءَ والمِللا

ورغبة في التنفير من محبة الدنيا والانسياق وراءها يبالغ في وصف حال الدنيا؛ فليس فيها ما يعجب ويسرّ، إنها مضللة مهلكة غدارة، ليس فيها إلا الحزن والأسى والألم والمرارة، حتى وإن كان فيها فرح وسرور أو حلاوة فإن نهاية هذا كله إنما هو أسى ومرارة، يقول ( [2] ) :

اهرُبْ بنفسك من دُنيا مُضللةٍ

مُرٌّ مذاقةُ عُقباها وأوّلها ... غدّارةٌ تُكثِرُ الأحزان والعِلَلا

إن ذُقت حلواءها عادت عواقبُها ... مرارةً يجتويها كُلُّ من أكلا

لم يصفُ شُرْبُ امرئ فيها فأعجبهُ ... إلا تكدَّر أو أمسى له وَشَلا

لما رأى أبو العتاهية تعلق الناس بالدنيا وتكالبهم على مغرياتها أراد وعظهم وتحذيرهم من مغبة هذا الفعل، فالتمس المبالغة وسيلة مخيلًا بها الدنيا إنسانًا يضلل صديقه، ويغدر به... ليس فيها صفاء، وإن صفت فإن صفاءها قليل لا يطول. وهذا مبالغة وتوسع، فليست الدنيا على هذه الحال دائمًا، ففيها جوانب حسنة وأخرى سيئة، فيها جانب مشرق وآخر مظلم، لكن الشاعر نظر إليها نظرة سوداوية تشاؤمية. ... بدمعها المُنسكب السائلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت