فهرس الكتاب

الصفحة 20875 من 23694

ومن مبالغته في الغزل وصف جسمه ونحوله بسبب حبه وعشقه، فدموعه سائلة منسكبة لا تتوقف، ولم يبق منه إلا الحشاشة أو الروح؛ يقول ( [3] ) :

عيني على عُتبة مُنهلَّةٌ

لم يُبق منّي حُبُّها ما خلا ... حشاشةً في بدنٍ ناحلِ

فقد أصبح في النزع الأخير من عمره، مات جسمه، وبقيت بقية قليلة من روحه تعاني التعب والمرض. وهذا لا يكون من الحب إلا على سبيل المبالغة التي يرمي الشاعر من خلالها إلى تأكيد مشاعره وأحاسيسه تجاه من يحب فيصل إلى أعلى درجة، أو إلى النموذج الأعلى والمثال. ... سواهُ كأنّ المالَ في كفّه حُلْمُ

ونراه في مديح المهدي يصوره لنا إنسانًا وصل أعلى درجة في الكرم والعطاء، حتى إنه يعطي أغلى ما يملك بالنسبة إليه وهو الحكم، يقول ( [4] ) :

فتى ما استفادَ المالَ إلاّ أفادَهُ

إذا ابتسم المهديُّ نادت يمينُهُ ... ألا مَن أتانا زائرًا فله الحُكمُ

فمن كرم الممدوح نجد بقاء المال في كفه لا يتحقق، وكأنه حلم سرعان ما يتلاشى ويزول وينقضي، ومن جوده يتنازل عن الحكم لأي زائر يأتيه، فهو لا يبخل لا بالشيء المادي ولا المعنوي. ونجد الشاعر هنا في اعتماده على المبالغة لم يصل إلى الغلو فيها عندما وصف بقاء المال في يد الممدوح، فقد قال (كأنه حلم) ولم يقل /حلم/ واستخدامه (كأن) جعل مبالغته مقبولة عقلًا وواقعًا ولم تصل إلى درجة المستحيل أو اللامعقول. وهذا؛ لأن الشاعر يريد أن يكون كلامه ومديحه قريبًا من الصدق والممكن والمعقول، فيتم التفاعل والتواصل بينه وبين المتلقي. ... بصرًا وأنت مُحَسِّنٌ لعماكا

وعمومًا فإن أبا العتاهية لم يكن مغرقًا في المبالغة كثيرًا، وإما كانت مبالغته ضمن الممكن المقبول لدى المتلقين جميعًا.

4 ـ الاختراع والإبداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت