فهرس الكتاب

الصفحة 20880 من 23694

وهكذا تبين لنا من خلال ما تقدم أن التخييل مقدرة فنية بلاغية إذا ما امتلكها الشاعر كان شاعرًا متقدمًا مبرزًا متميزًا من غيره من الشعراء، ورأينا أن التخييل هذا له عناصر ومقومات وأسس يقوم عليها ويعتمد عليها، فتكون مادته وأساسه، وهي متنوعة أولاها التجسيم والتجسيد إذ يأخذ الشاعر الجمادات والذهنيات النفسية والوجدانية ويضفي عليها الأحاسيس والمشاعر ويبث فيها الحركة فتغدو أمامنا متحركة ذات حياة وروح وإحساس بفضل التخييل.

ويأتي العنصر الثاني وهو الإيماء والإيحاء فيغدو التخييل أكثر تأثيرًا وإثارة لانفعال المتلقي وجذب انتباهه وجعله يشغل عقله وتفكيره للوصول إلى المعنى المطلوب الذي يريده الشاعر ولكنه لم يصرّح به بل ألمح وأومأ وأوحى فجاء ببصيص من المعنى انتقل منه المتلقي إلى المعنى كاملًا بعد تأمل وتفكير.

وبعد ذلك نصل إلى العنصر الثالث الذي يكون فيه الشاعر قد وفّى المعنى حقه وصار كاملًا ووصل إلى المتلقي لكنه أراد المبالغة فيه والتوسع ليصل إلى أثر أبلغ وأكثر تأثيرًا فيعتمد المبالغة والتوسع في تخييله لإرضاء المتلقي الذي لا يرضى بالإيجاز والصور الواقعية أو القريبة من الواقع والممكنة الحدوث فيريد أن يقارب المستحيل أو اللامعقول.

وأخيرًا يأتي دور الشاعر المبرّز والمتميز الذي يريد التفوق على غيره من الشعراء في التخييل فيعتمد العنصر الرابع وهو الاختراع والإبداع فيبذل قصارى جهده مكرسًا مشاعره وأحاسيسه وثقافته وعلومه وتجاربه في الحياة وخبرته... جاعلًا ذلك وسيلة للإتيان بمعنى جديد لم يُسبق إليه وبصورة تبدو زاهية مزينة بأحسن التشبيهات والاستعارات والمجاز خالقًا علاقات لا يدركها غيره من الشعراء العاديين أو الناس العاديين الذين لا يصلون إلى درجة المبدعين والمخترعين.

وبذلك يصبح التخييل كاملًا زاهيًا جميلًا؛ كما تجلّى هذا في الشواهد التي ذكرناها لأبي العتّاهية.

المصادر والمراجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت