فهرس الكتاب
ويصف زهر البنفسج في الروضة بين الرياحين والزهور الأخرى، فيأتي بتشبيه أبدع فيه واخترع علاقة خيالية بينه وبين شيء آخر؛ يقول ( [33] ) :
ولازورديّة تزهو بزرقتها
كأنها ورقاقُ القُضْب تحملها ... أوائلُ النار في أطراف كبريتِ
فالإبداع في الربط بين الأزهار الزرقاء وعيدانها، وبين شعاع النار أو لهيبها المتصاعد من أطراف عيدان الكبريت أول اشتعالها. والألوان تزهو في هذه الصورة. الزرقاء والحمراء والرياض الملونة والنار المشتعلة. يصبح اللون مصدر زهو واعتزاز وفخر على لون آخر. ... لم يغن حُبًّا حين يرجعُ دافنه
ويخترع الخيال علاقة بين صورة الميت وخروج الروح منه وصورة خلوّ البيت من سكانه في قوله:
وكأنّ مَنْ دفنته أيدٍ في الثرى
جسدٌ سيخربُ حين تخرج روحه ... كالبيت يخرب حين يخرج ساكنه
فالجسد مكان وبيت تسكنه الروح، وإذا ما فارقته وخلا منها غدا خربًا وعمّ فيه البلاء والفناء، وكذا الحال في البيت عندما يهجره ساكنه ويغادره يصبح في مهب الريح يسكنه الرائح والغادي وتعثو فيه يد الفساد والخراب.
فأبو العتاهية جاء بهذه المعاني والصور ومفرداتها ومكوناتها لم تكن اختراعًا وإبداعًا من وحي الشاعر وإلهامه وفكره، وإنما جاء بها من واقعه وحياته المعاشة، لكنه حاول الإبداع والاختراع فيها من خلال التفكير والتأمل والنظر في العلاقة المشابهة بين عناصرها ومفرداتها، وعندما أيقن تلك العلاقات حملته قدرته على التخييل على الربط بينها وجعلها كأنها من عالم واحد.
الخاتمة