فهرس الكتاب

الصفحة 20878 من 23694

وكذا الاستعارة؛ فالمألوفة منها المعتاد عليها لا تعمل عمل الاستعارة التي فيها اختراع وزيادة في الحسن والرونق، وتؤدّي المعنى المراد منها ( [25] ) .

ويعطي المجاز عمومًا الشاعر قدرة على الابتكار والإبداع والإتيان بأفكار جديدة ( [26] ) .

وفضلًا عن هذا فإن الإبداع ارتبط بمعنى البديع، ودخل فيه التشبيه والاستعارة ( [27] ) .

ولم يقبل النقاد كل جديد مخترع، بل وضعوا شروطًا منها عدم مخالفة العرف والطبع، وبناءً على هذا رفضوا ما خالف هذا؛ كجعل الخال أبيض، والخد أسود عكسًا للتشبيه المعروف ( [28] ) .

ومما يساعد في إبداع المعاني واختراعها الحوادث الجارية المتجددة؛ فكل حادث جديد يعطي الشاعر المجال للاختراع بالتعبير عنه دون تكلف. وهذا أسهل من المعنى الذي يخترع دون شاهد حال متصورة ( [29] ) .

وقد كثرت الإبداعات والاختراعات عند الشعراء المحدثين في العصر العباسي؛ إذ عُرف أبو العتاهية بسعة خياله واختراعه الصور وابتكاره المعاني في الوصف؛ إذ يحمل هذا الفن عنده (( إلى جانب جمال الشكل والصورة ضروبًا من الألوان والروائح والطعوم في عرض مبتكر وخيال خالق بديع ) ) ( [30] ) . وساعده في هذا ما جرى حوله من أحداث ومناسبات فأخذ يرتجل ويبتكر ويخترع ( [31] ) .

فنراه في وعظه مثلًا يأتي بصورة تربية العبد وتأديبه مشبهًا عمل سيده بالمصباح والفتيلة؛ يقول ( [32] ) :

وبّخْتَ عبدك بالعمى فأفدْتَهُ

كفتيلة المصباحِ تحرقُ نفسها ... وتنيرُ واقدها وأنت كذاكا

فالتخييل جعله يربط بين تربية العبد وتوبيخه وتأديبه، وبين صورة المصباح والفتيلة؛ فالسيد عندما يؤدّب عبده يجعله بصيرًا بالأمور ويعظه ويعلمه مع أنه هو نفسه لا يعمل بما يعظ فهو أعمى عنها، وكذلك الفتيلة في المصباح تحترق، وباحتراقها تنير لواقدها وتضيء له الطريق مبددة الظلام أمامه، وهي في الوقت نفسه تحترق وتصغر شيئًا فشيئًا وتذوب دون أن تفيد نفسها. ... بين الرياض على حُمر اليواقيتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت