فهرس الكتاب
والذي يساعد الشاعر على الإبداع ما يثار في نفسه من انفعالات ومشاعر تجاه ما يعرض أمامه ( [16] ) . وغدا الاختراع والإبداع صفة الشاعر المقتدر، فمن جاء بهما صار في المقدمة ووضع في القمة وشهد له بالفضل ( [17] ) .
ولكن كيف يقوم الشاعر بالاختراع والإبداع؟
عندما يبدع شاعر ما فهو يأخذ من غيره ويضيف ويحذف ويشبه ويقارب ويستعين، فيأتي بصور تبدو جديدة مبتدعة مخترعة ( [18] ) .
ولا يستحق الشاعر اسم الشاعر إذا لم يأت في شعره بجديد مخترع، أو لم يبدع في شعره؛ وليس له من الشعر إلا فضل الوزن ( [19] ) .
فبالإبداع تظهر أصالة الشاعر وعبقريته وعظمته وجدّته. وسواء أكان الإبداع راجعًا إلى الوحي والإلهام أو إلى العقل والفكر أو إلى المجتمع أو إلى الشعور والنفس؛ فإنه خلق على غير مثال، وبه يتميز الشارع من غيره؛ إذ يرى مالا يراه غيره، وتظهر المعاني والصور الجديدة كأننا نراها للمرة الأولى ( [20] ) .
بيد أن الشاعر لا يأتي بهذه المعاني من عالم خاص جديد دائمًا، بل إنه أحيانًا قد يعمد إلى أفكار قديمة وأحداث وتجارب، ويجري فيها تعديلًا أو تغييرًا مضفيًا عليها شيئًا من ثقافته وقراءاته وشعوره وأحاسيسه وعواطفه ( [21] ) .
ويعد التشبيه أداة ووسيلة للاختراع والإبداع؛ فبه يمكن الخروج عما ألفه الناس واشتهر بينهم حتى يصبح خارجًا عن طوق البشر جميعًا ( [22] ) . فيأتي الشاعر بمعنى مخترع مبتكر عندما تكون العلاقة بين شيئين أو أشياء في التشبيه غير مألوفة ومعتادة بل خفية أو نادرة ( [23] ) .
والتشبيه قسمان: قسم متداول بين الناس مألوف معتاد عليه، وقسم مخترع أشد تأثيرًا في النفوس وتحريكًا لها؛ لأن (( غير المعتاد يفجؤها بما لم يكن به لها استئناس قط فيزعجها إلى الانفعال بديهًا بالميل إلى الشيء والانقياد إليه، أو النفرة عنه والاستعصاء عليه ) ) ( [24] ) .