فهرس الكتاب

الصفحة 20951 من 23694

يبدأ الشاعر قصيدته ببيتين يشكلان مدخلًا عامًا لموضوعه، ويطلّ في مطلعهما حرف النداء وأسلوبه، وهو أسلوب احتفى به الشعر القديم، وتعاور الشعراء استخدامه. ويقدم شُرَّاح الدواوين تعليلات متنوعة لهذا الأسلوب ( [5] ) سواء أكان الخطاب موجهًا لمتوهم أم حقيقي، وعلى الرغم من أهمية تلك التعليلات ومنطقيتها، فإننا نحسب أن وظيفة الخطاب تقع في سياق الوظيفة الإبلاغية، ليعبر الشاعر فيها ما يجيش في صدره من مشاعر، وما يضطرم في خبيئته من انفعالات، ويكشف عما يدور في ذهنه، وما يشغل تفكيره من قضايا الحياة وهمومها.

وخطاب تأبط شّرًا كان متميزًا من غيره، مختلفًا عما درج عليه الشعراء، بتوجيه النداء إلى مخاطب أو مخاطبين، إذ يسلك طريقًا معدّلًا، فيوجه خطابه إلى الزمن المتكرر المعاود فيقول:

يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ

يَسْري على الأيْن ِوالحيّاتِ مُحْتفيًا ... نفسي فداؤك ـ من سارٍ على ساقِ

إن نداء العيد، يعني في الشرح اللغوي، الوقت الذي يعود فيه الذكر والوجع والشوق على حدِّ تعبير ابن الأنباري ( [7] ) ، وفي ضوء المادة اللغوية، تنبجس من بين الألفاظ وحروفها مشاعر الحزن النبيل، والشوق اللامتناهي، والأرق القلق. إن نداءً هذه صفاته ومقوماته، يعادل حلمًا يراود خيال الشاعر، يصبو إليه، ويتطلع إلى تحقيقه، وتطّرد العبارات الكاشفة عن الحلم، عبر أسلوب الدّعاء الذي تكرَّر في البيتين"مالك من شوق، نفسي فداؤك"مما يجعل فيض الحنين متعاظمًا عبر طاقة تعبيرية قصوى. ... وأَمْسكتْ بضعيفِ الوصْلِ أحذاقِ ( [8] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت