بيد أن حلم الشاعر بعيد المنال، تتناءى دونه المسافات، ويفصله عن أرض الواقع هُوىً غير ذات قرار، لذلك نشهده مكبّلًا بالأعباء، ينوء تحت ثِقَلِ القوّة القاهرة، وسلسلة الكوابح المانعة، وإذا ما أراد له أن ينتقل إلى الحقيقة كان على طيفه الحالم أن يمر من فوق الأهوال وما تختزنه من خشية ودخول في المجهول، وتكبد أخطار المفاجأة، عليه أن يجتاز ذلك كله في عتمة الليل وظلامه الدامس، عليه أن يركب المصاعب ويتجرع حتى السمّ الذي توحي به لفظة الحيات، وعلى هذا تبدو هذه السلسلة تراكمًا كميًا لعوامل موضوعية لا تسمح للحلم بالتحقق والانبعاث، لذلك عادله الشاعر بعدد من الألفاظ الموحية، فجاء الحلم، عاري القدمين، وسط الصحراء المهولة المرعبة، وجاء أيضًا مثقلًا بالمتاعب التي تشده نحو الغوص في المجهول.
وعلى الرغم من إدراك الشاعر لمصاعب تحقق الحلم، ظلّت رغبته العارمة قائمة في الصبوة إليه، واستجلابه واستحضاره، فكانت تلك الدعوة المشفقة"نفسي فداؤك"، وكان التشخيص الذي أجراه عندما نقل الحلم (الطيف) إلى عالم الحياة، فجعله يسري على ساقين، لعلّه ييسر له بعض مظاهر التوهج وسط دياجير الظلمات.. ولكن لا سبيل إلى ذلك.. إنها باختصار حالة التضّاد الأبدية والتي تعتمل في سريرة أي كائن بشري في النزوع نحو التمرد والرفض، والهروب إلى عالم الحلم، بعيدًا عن الواقع الصعب المرّ ولظى الحياة القاهر الغلاب.