وشاء القدر أن يصاب هذا الأمير بمصائب جسام عجمت عوده، وخبرت مضاءه وتركت أكبر الأثر في نفسه، حيث أصيب بمرض الجدري الوبيل.
في ربيع إحدى السنين كان الأمير عبد الله الفاضل يتجول في تلك البادية الحبيبة إلى نفسه التي يرى صعيدها أحب إليه من أي شيء آخر من أجواء المدن والقرى المجاورة.
كانت خيام العشيرة منتشرة في كل مكان وقد تناثرت في بطون الأودية والقفار وبدا الجو جميلًا طليقًا في الكثبان المترامية الأطراف وقد زركشت أردية الربيع المتلألئة تلك البطاح وخلعت عليها ثوبًا قشيبًا من البهاء والرُّواء، وكان الهدوء والأمن قد استتبا في أرجاء تلك الربوع الصحراوية، بفضل سهر الأمير ورجاله واهتمامه بتلك الناحية فقد كان للهيبة والقوة اللتين يتمتع بهما أكبر الأثر في انتشار السلام بين أنحاء القبيلة، فلا غارات جاهلية، ولا اعتداء من أحد على آخر ولا حوادث سطو أو نهب في عشيرة"الحسنة"، وهذا ما جعل الأمير يفخر بهذا الوضع حتى يرى أنظار رجال العشيرة تشرئب إليه وتأخذ برأيه وترجع إليه في كل المشكلات والأمور فكان هو المرجع المدني والقبلي لكل شؤونهم ومنازعاتهم، وعلى هذا فقد كان يركب ناقته السريعة القوية الملقبة بـ"البويضة"وقد وضع عليها الهودج المزركش والحلل الفاخرة والجميع يعرفونها من منظرها وهيئتها أنها ناقة الأمير، وفي الحالة التي لا يمتطيها صاحبها فإنها كانت ترعى في أي مربع تذهب إليه دون أن يستطيع أحد أن يكفها أو يردها، كما أنها ترد أي منهل تشرب منه إبل العشيرة دون أن تلقى أية صعوبة أو عناء وما ذلك إلا لأنها"البويضة ناقة الأمير"وهذا ما عبَّر عنه بقوله:
عليج الرأي من فاضل يا ديرة
كفز ترعى البويضة بكل ديرة ... رغم عالشوارب واللحى