كتم أمير عبد الله الفاضل شخصيته وأخفى وجهه بغطاء رأسه حتى لا يعرفه أحد وعمل لدى الشيخ المذكور (يقدم القهوة للقوم) في مرابع الضيافة وهو يحاول أن يبتعد عن أي إنسان آخر وألا يتصل بأحد، وبقي مدة من الزمن على هذه الحالة وحيدًا فريدًا معتزلًا عن الناس، محاولًا أن ينسى شخصيته وقومه هيهات له ذلك..!
كان بحكم عمله في نادي القوم يسمع أخبار العشائر ويصل إلى سمعه أنباؤها من الوفود القادمة من الشمال والجنوب، ومن بوادي الفرات والشام حتى وصله قادم من بادية حمص وحماه فحدثه عن أخبار قومه، وما سمعه دون أن يحاول الأمير أن يعرّف محدثه بشخصيته، إلى أن سأله عن عشيرته فأجابه أن عشيرة"الحسنة"بعد غياب الأمير الفاضل أو بعد موته وهو المعتقد السائد بعد مرضه قد ضعفت منزلتها بين القوم، ولم يعد يسمع برجل آخر يماثل الأمير في شجاعته وكرم منزلته، وكان محدثه لا يعلم أنه يحدث الأمير نفسه، وقد حرك هذا الحديث أشجان الأمير الدفينة في نفسه فانطوى عليها وتألم وزفر زفرة حرى من صميم قلبه وأنشد:
هلي لب الجواهر لو لعنا
مريت بحي أهلنا ما عينه ... الزعيم وبيه لقوة للجناب
فيقول أن أهله كفرند السيف إذا تلألأ بريقه ولمعانه ولهذا حري بنا أن نذكرهم ونبكي عليهم، وعندما مررت بحي الأهل والأحبة لم أجد الزعيم القائد الذي يلاقي الأعداء ويردهم. وكان الأمير يعني نفسه بذلك ويتكلم بلسان محدثه بل قرن بين فخره بقومه وبين فقدانه وخلو عشيرته منه. ... وبقلوب العدا بايت سمالهم