فهرس الكتاب

الصفحة 21191 من 23694

وقد يقال: إن التفريعات والجزئيات تكثر لديه أكثر من ابن خلدون. فنقول: هذا هو المنهج الاستقرائي، وقد كان أكثر وعيًا به من ابن خلدون. ومن يقرأ كتاب ابن الأزرق"بدائع السلك"فسيرى أنه كشف لنا عن ميراث كبير في علم السياسة، ووجه نظرنا إلى مجموعة من الكتاب السياسيين، سبقوا ابن خلدون، وكشفت عنهم الأيام حين حققت مخطوطاتهم في العصر الحديث، ومن أهم هذه الكتب كتاب"الشهب اللامعة في السياسة النافعة"للوزير أبي القاسم بن رضوان، وقد أشار الدكتور النشار إلى أنه قد قام بتحقيقه ونشره، وأهمية كتاب الشهب اللامعة تعود إلى أنه كان مصدرًا أساسيًا لابن الأزرق، علاوة على أن ابن رضوان كان معاصرًا لابن خلدون، بل صديقًا وزميلًا، ولم يذكر ابن خلدون هذا الكتاب.

ونحن نتفق مع الدكتور النشار في كل ما سبق إليه من أن كل مفكر إن هو إلا حلقة في سلسلة الفكر الذي سبقه، وهذه خاصية إنسانية أساسية، حيث أن العلم ينمو عن طريق التراكم المطرد، والانتخاب الذكي الذي يقوم به كل مفكر، ولا يمنع هذا على الإطلاق من أن يضيف المفكر على آراء سابقيه جدة منهجه وطرافته، وأصالة فكره، ونبوغه الذاتي، ولا يمنع هذا على الإطلاق من أن يصوغ ما وصل إليه من مواد فكرية، بمؤشرات وعوامل تنقدح في بنية مجتمعه المعاصر، وأن يفسر بكل هذا، المجتمع الذي يعيش فيه، والذي ينعكس عن آرائه.

ويجب أن نلاحظ ـ وهذا واضح لمن يستقرئ كتابه هذا ويحلله ـ أن ابن الأزرق على الرغم من أنه نهج نهجًا حسيًا واقعيًا ـ وقد كانت هذه سمة الأبحاث الاجتماعية السياسية في المدرسة السياسية الإسلامية ـ إلا أنه كان يضفي على هذه الواقعية الحسية اتجاهًا أخلاقيًا قريبًا من المثالية الإسلامية، لا على الإطلاق، وهو علم الأخلاق السياسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت