فهرس الكتاب
ومن هنا لا يكون غريبًا أن يلحظ محقق الكتاب أن ابن الأزرق هنا يختلف عن ابن خلدون اختلافًا جوهريًا: فقد كانت غاية ابن خلدون أن يفسر التاريخ وأن يرى في حوادثه فلسفة، أو مذهبًا يجمع بين الحوادث، في شجرة العلل والعلل تطرد في مسارها المنتظم، سنة الله في خلقه، ولا يخرق العادة سوى تدخل القدرة الخالقة، وبدون هذا التدخل، يعيش المجتمع في جبرية مطلقة. فالمكان هو المكان، والزمان هو الزمان، والأشياء متكررة معادة، وحوادث المكان والزمان تتشابه وتتلاحق في الشرق وفي الغرب، ولكن قدر الله"باد"وقد حدث، حين قاد هذا التدخل، الأمة العربية الفقيرة من الجزيرة القاحلة، إلى حيث ساد العرب الزمان والمكان، ثم حكمت فيهم السنن الاجتماعية، فأخذوا ينحسرون شيئًا فشيئًا، ويتقلصون رويدًا رويدًا، حتى عادوا إلى"القفر"ثانية. وأصبحوا ملكًا لكل مكان ولكل زمان ولم تكن هذه غاية ابن الأزرق قطّ.
إنه بدأ كما بدأ ابن خلدون، من المنطلق نفسه، يفسر الظواهر الاجتماعية، ويحاول تحليل العوارض الذاتية ويطبق المنهج الاستقرائي الأصولي نفسه، الذي طبقه ابن خلدون ولكنه لم يتوقف عند التفسير المادي للظواهر كما هو، إن التاريخ لا يتوقف، والدورة الحضارية لا تنتهي، بل يعود الزمان، ويمتلئ المكان، إذا ما صلح الراعي والرعية، إذا لم يحدث الصراع بين الحاكم والمحكوم، ولهذا لم يوافق ابن الأزرق على نظرية ابن خلدون في أطوار الدولة، إن الدولة تعيش أبدًا إذا تحققت العدالة، بين الحاكم والمحكوم، وإذا لم يحدث نزاع بين الحاكم والمحكوم، ولهذا يتكلم على الظلم والاحتجاب، ويتكلم على فساد الجباية والاحتكار، وعلى مسؤولية الحاكم تجاه رعيته وتجاه جنده.