فهرس الكتاب

الصفحة 21193 من 23694

إن ابن الأزرق يلجأ إلى الأئمة العظماء الذين وقفوا في وجه الحاكم، إلى"الطرطوشي"في سراج الملوك، وهو يعظ حكام مصر ويتهددهم بالانتقام الإلهي، وإلى سلطان العلماء"عز الدين بن عبد السلام"في قواعده. ونحن نعلم كيف قاوم عز الدين بن عبد السلام سلاطين مصر، وكاد أن يشعل الثورة عليه، فعل هذا حفاظًا على الشعب وحماية لحقوقه الاقتصادية وإلى"ابن الحاج"في مداخله، ونحن نعلم أن هذا الفقيه المغربي كان يعيش في مصر، يحارب ويجاهد احتكار السلاطين وكبار التجار والأغنياء، ويقنن حتى الأسعار في الأسواق، وإلى"ابن فرحون"في تبصرة الحاكم، وهو يتكلم على آداب القاضي وعدالته، وفساده، وقبوله للصلات والهدايا والرشاوى، وإلى كثير غيرهم.

لم يكن فساد المجتمع العربي والإسلامي راجعًا عند ابن الأزرق في كتابه هذا إلى نظرية في أطوار الدول، بل إلى نظرة ورؤية حسية، إلى ما انتاب هذا المجتمع من فساد مادي وانحلال اقتصادي وانعدام كُل ثقة بين الحاكم والمحكوم، بالإضافة إلى التمزق السياسي الذي ساد البلاد الإسلامية المتعددة. وقد رأى هذا التمزق السياسي في بلاد الأندلس في رقعة صغيرة من دار الإسلام، في مملكة غرناطة، ورآها وهي تهوي تحت أقدام طاغية الإسبان يتنازعها أطماع الأمراء، يختلفون ويقتتلون، والعدو على الأبواب، وحين وصل إلى"فاس"وجدها تحترق بين المرينيين والوطاسيين، والأمر نفسه وجده في تونس. ثم انتقل إلى مصر والمماليك حينئذ في نزاع مع الأتراك. ولم يعرف الرجل اليأس، كان يؤمن أن العودة ممكنة، وأن البعث آتٍ إذا ما تخلص الحاكم من أطماعه، وإذا ما تخلص المحكوم من أطماره. فكتب ابن الأزرق: أخلاقية الحاكم وأخلاقية المحكوم. وهذا هو ما يميزه عن ابن خلدون [1] .

(1) مقدمة تحقيق كتاب بدائع السلك ص6، 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت