فهرس الكتاب
إذًا، قد كان ابن خلدون عبقرية عصره بلا منازع، ولكن لم يكن العبقرية الفريدة الوحيدة في سلسلة الفكر الإسلامي؛ إنه كان جوهرة غالية في هذه السلسلة. لكنه استفاد أعظم استفادة من تراث الأشاعرة، وانعكس فكرهم ومنهجهم على كل جزئية من جزئيات نظريته. وهذا أيضًا ما أكده الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه"العصبية والدولة" [1] . ومن المعلوم أنه تأثر بالمؤرخ البربري"فلوروس"الملخص لمعشرات طيطس، والذي عاش مؤخرًا وكاتبًا ذائع الصيت، وقد عُرف برأيه في تجديد حياة الدولة في أربعة عصور: عصر النشأة والعظمة والانحطاط والاندثار، التي اقتبسها عنه ابن خلدون فيما بعد.
كما أن ابن خلدون كان يحسن اللهجة البربرية، بالأخص الهنتانية المستعملة في بلاط الحفصيين، واستفاد مما كتبه البربر باللغة البونيقية وما كتبه نسابو البربر المطاطي والنفوسي، وابن كواد، وابن الوراق، والبرزالي، والنضرومي. ويضيف الأستاذ حسن السائح [2] إلى هذا التراث ما أخذه ابن خلدون عن كتاب الأنساب وابن قتيبة فيما كتبه عن أخبار إفريقية في تاريخه والمسعودي في مروج الذهب، وابن حزم في الجمهرة، والفيروزي مؤلف أنساب البربر، والجرجاني في تهذيب التاريخ، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، علاوة على معرفته بالفلسفة اليونانية وبخاصة كتب أرسطاطاليس. ويضيف الدكتور النشار أنه أخذ أفكار العصبية والدولة نفسها من سابقيه وبالأخص المسعودي والغزالي. وصاغ كل هذا بمنهج تاريخي استقرائي هو منهج الأشاعرة من متكلمين وأصوليين ومحدثين. وفعل كل هذا ببراعة، وكتم في الغالب مصادره.
(1) العصبية والدولة، د. محمد عابد الجابري، ص187 دار الثقافة، الدار البيضاء المغرب.
(2) ابن الأزرق شارح ابن خلدون، حسن السائح، مجلة دعوة الحق العدد 3 عام 1967م.