فهرس الكتاب
ونحن نرى ذلك شيئًا طبيعيًا في أجواء الأندلس المضطربة، والتي أخذت تنحدر نحو النهاية، نهاية الحكم العربي بها، ونهاية العلوم الإسلامية، والتي أخذ أصحابها بالرحيل نحو المغرب والمشرق، وصاحبَها هجرة عدد كبير من نحاة الأندلس إلى المشرق العربي، في وقت كان التدهور العلمي العام، بدأ يظهر في العالم الإسلامي، والميل نحو التأليف الموسوعي ينمو ويشيع، وهو قائم في أساسه على جمع ما أنتجه السابقون، ومن هنا نشطت المنظومات التعليمية في اللغة والنحو، وغدا التعليم وحفظ اللغة همّهم الأساسي. ويبدو أن ابن الأزرق وأمثاله من العلماء كانوا يلبون حاجة ثقافية ملحة، وخوفًا يعتمل في الأعماق من انهيار حضاري وثقافي وشيك، يكاد يحدق بالأمة ويذهب بكل شيء. وهذا ما يفسر الإصرار الشديد من ابن الأزرق، في التوضيح البالغ لأهمية اللغة العربية وعلومها، والتشديد على مدى الخسارة الفادحة، التي يفقدها العلماء عند التفريط في هذه العلوم أو التهاون بشأنها، ونحن نعلم أن اللغة العربية، كانت هي الوعاء الثقافي الذي حفظ للمسلمين في الأندلس دينهم، وثقافتهم، وتراثهم العلمي والأدبي.