فهرس الكتاب
ويمكننا أن نلاحظ هنا ثقافته الموسوعية، وإدراكه الواسع بمختلف العلوم والمعارف والفنون في عصره، وفي العصور السابقة، بل إننا يمكننا بكتابه"روضة الإعلام"أن ندرك مدى عمق ثقافته اللغوية والأصولية والمنطقية والفلسفية، من كثرة استعماله للمصطلحات الدقيقة في مختلف العلوم، وفي المنطق والفلسفة مثلًا نجده يكثر من استعماله للمصطلحات المنطقية، ولجوئه إلى القياس للتدليل على صحة كثير من الحقائق التي يأتي بها. تجلى هذا واضحًا في الفصلين الأول والثالث من خاتمة الباب الأول، مثل حديثه عن الفضائل العقلية، وحين يستخدم مصطلحات"البرهان"و"التجربة"و"الاستقراء"و"الاستنباط"وهي كلها ألفاظ فلسفية ومنطقية تلقاها عن أحمد بن الفتوح (876ه) مفتي غرناطة الذي لازمه وأخذ عنه النحو والفقه، وهذا نجده واضحًا في التنوع الشديد المثمر الذي يتجلى واضحًا في الكتاب على تعدد أبوابه وتنوع فصوله. أما اختيار ابن الأزرق لأقوال من يستشهد بهم فيدلنا على نوع الثقافة التي يتمتع بها والتي تعبر عن شخصيته وفكره. ففي الموضوع نفسه الذي نشير إليه هنا يستشهد بالإمام فخر الدين الرازي في تمييزه بين الجاهل والعالم في قوله"الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئا البتة، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت، ويسبح في بحار المعقولات، ويطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن، والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، وأجزاء أجزائها، والجزء الذي لا يشارك به غيره، والجزء الذي يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره، وعلته ومعلوله، ولازمه وملزومه، وكليّه وجزيّئه، وواحده وكثيره، حتى يصير عقله كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها... وأي سعادة فوق هذه الدرجة.. ومن خواص هذه السعادة تقديسها عن التغير والفناء، لأن التصورات الكلية لا يتعرض إليها الزوال والتغير" [1] .
(1) روضة الإعلام ص11.