فهرس الكتاب

الصفحة 21240 من 23694

لا تعنيني هذه الإشكالية بقدر ما يعنيني صراع الإنسان مع ذاته من جهة، ومع واقعه من جهةٍ أخرى، والأهم من هذا الصراع ما يتولّد عنه من تجاذب بين طمأنينة القبول وقلق الرفض، مما يكسب وجوده فاعلية الحياة، وما يرافقها من حركة لا نهاية لها.

إذا كان التعايش مع الظروف، والواقع الجديد، نوعًا من العقاب على ما ارتكبه الإنسان من خروجٍ على المألوف والمعهود فهو في شكلٍ آخر دعوة إلى التحدي وإثبات الذات.

والدعوة في معانيها الباطنية حركة تتخطى السكون، والمألوف والراهن، وتتجه نحو مسارات تتمحور حول نقطة واحدة تختزل رغبة الإنسان في رفع الحجاب عن كمونه الإرادي في لحظة التعالي والتسامي على الصعاب وتذليلها. ومن ثم تتولَّد لديه حالة من النشوة، يتحرر معها ويطمح إلى كشف النقاب فيتعرّف إلى ذاته العظيمة، القادرة على القهر، والإذلال، والإخضاع، ويترسّخ إيمانه بقوته وجبروته، مما يدفعه إلى تأسيس مركز قضيته بغية اختراق الشكلي الجاهز وتسيير العالم، ليكون أكثر ملاءمةً وتوافقًا مع طموحاته وأحلامه.

هذه فرضية ليست بالضرورة قابلة للبرهان، ولكنها قابلة للتصديق أو النفي، وبين النفي و التصديق حركة لا تنتهي، حركة تستفز الذات الإنسانية وتدفعها إلى البحث والتنقيب، ثم تنقلها في لحظة تجل وانعتاق إلى حالة من الاندهاش، في عالم مفتوح لا حدود له، ومحجوب مغلق في آن معًا. فتتمخّض الدهشة نطقًا بدائيًا يختزل معان إنسانية باطنية لا حصر لها. فكانت الكلمة الأداة الأكثر تعبيرًا عن الذات الإنسانية، وعن رغبتها في التواصل، وتقليص مساحات التوحش والاغتراب النفسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت