فهرس الكتاب
بعيدًا عن التأويل الديني، يمكنني القول إن الإنسان الأول مبدعٌ وخلاق،"فالمسيح كلمة الله". و"في البدء كان الكلمة"، والإنسان القادم من لدن الله استطاع أن يستخدم أداة التبليغ الإلهية ـ الكلمة ـ واستعاد بذلك شيئًا من لا محدودية قدرته وعظمته. ألم يطلب الله من الملائكة السجود لآدم؟ ولذلك يمكننا وصفه بالخلاق القادر على جعل الصامت المحتجب ناطقًا يعلن عن انفعالاته، ومشاعره، وأحاسيسه، ورغباته، وتطلعاته بأشكالٍ مختلفة تتفق وحاجات النفس البشرية، الهادفة أبدًا إلى تأصيل وجودها، وتكريس طاقاتها إزميلًا لكشف الغطاء عن سرّ الحياة. ومادامت الحياة في سيرورة استباق، فالنفس البشرية المبدعة ستبقى في حركة دائمة تستقصي الحقائق، وتبحث عن الجوهري، معلنة في كل لحظة مضيئة من وجودها عن دأبها الساعي إلى القبض على أسرار الوجود، وترسيخ قوانين الطبيعة علومًا ومعارف تسهم في سيادة الإنسان وتقرير مصيره.
يعتبر الأدب بهذه الرؤيا الخطوة الأساس للمعرفة، وما ينتج عنها من علوم إنسانية تسخّر لخدمة الإنسان، لأنه مركز الكون وقضيته الرئيسية. ولعل الأدب كان التعبير الأول عن حاجات النفس، وعن انفعالاتها واندهاشها المُقنع بالسؤال، فالأدب ليس هواية بل"حاجة أو ضرورة منغرسة في الحياة والإنسان [1] "والقصد منه"الإفصاح عن عوامل الحياة كلها" [2] والكشف عن سر الوجود.
بهذه الرؤيا، يمكننا اعتبار الأدب، المظهر الأسمى المتجلي عن تفجُّر الدهشة، الصادرة عن دأب النفس البشرية لتحقيق ذاتها، لذلك كان لكل مجتمع إنساني تراث أدبي فرضته حقيقة الحياة، وجسّدته فكرًا إنسانيًا أنجزه تفرّد المبدعين المفعّلين بعمق التجربة وروح الكشف.
(1) زمن الشعر: أدونيس، دار العودة، ط2، 1978، صفحة 157.
(2) المجموعة الكاملة: ميخائيل نعيمة، دار العلم للملايين، بيروت، 1971، مجلد 3، صفحة 407.