فهرس الكتاب

الصفحة 21248 من 23694

إن النتاج الإنساني يتشابه في جوهره لأنه متفجِّر عن نفس بشرية متوحدة مع الفيض الإشراقي الذي ينهل منه المبدعون على امتداد مستويات الخلق الفني اللامتناهية، وهذا التوحد جسّده بودلير عندما أفصح إلى صديق له عن التقارب الروحي بينه وبين الشاعر الأمريكي"إدغار آلان بو"قائلًا:"أتعرف لماذا ترجمت في صبر ودأب ما كتبه ادغار آلان بو لأنه كان يشبهني. ففي أول مرّة تصفّحت فيها كتابًا من كتبه رأيت فيه ما كان مثار فتنتي وروعتي، ولم أعثر فيه على الموضوعات التي كنت أحلم بها فحسب، ولكنني وجدت فيه كذلك الجمل التي كانت تراود أفكاري وكان له السبق في كتابتها قبلي بعشرين عامًا [1] ". وما التشابه إلا دليل على تفتق الفعل الإبداعي عن كمون إنساني واحد من حيث المنهل، ومتعدد في الظواهر الحركية.

إن الموضوعات الإنسانية ثابتة في السلوك البشري والتعبير عنها متغير في الشكل والظاهر، فجاءت الموضوعات متشابهة ومتكاملة، ترشح منها العواطف والمشاعر، ولكنها مختلفة في ظاهر أشكال الأجساد النصية المتأقلمة مع الظروف الاجتماعية والسياسية والبيئية والاقتصادية واللغوية. وهذا الاختلاف في الظاهر الشكلي أوجد تباينًا في عملية تلقي الصور الفاكسية وما يلازمها من تغيير في أنماط التعبير ونقل الرسالة وتلقيح الأفكار. والتباين عينه ولّد حركة كشف واستكشاف تهدف إلى الحصول على معرفة ما، تؤصل التواصل الإنساني وتنتج جينات فكرية جديدة في الشكل، تسهم في إضافات لا حصر لها على الإرث الإنساني الشامل.

بهذه الرؤيا يمكننا التأكيد على تخليص الحداثة من محدودية الحضور الزماني أو المكاني. فما كان محدثًا في لحظة من الحضور الإبداعي مازالت روحه فاعلة بما هو آت، لأن الحداثة أصل مترسخ وتجاوز متجدد، يخلقها ماضٍ في أثوابِ المستقبل لكأنها أشبه بقول المتنبي:

(1) الأدب المقارن: محمّد غنيمي هلال، دار العودة بيروت، ط5، صفحة 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت