فهرس الكتاب

الصفحة 21247 من 23694

"، فالتراث هو الطاقة الأساس في استجلاء الطرف المعلوم من معادلة الحياة وما تفرضه من كشف للمجهول عن طريق اختراق قشرة الجمود، والتحقق من وهم الرؤية، وحقيقة الرؤيا، لتتناسل الأفكار رؤىً جديدة مختلفة لها سمتها وخصائصها المتميزة، ليرشح عنها، مستقبلًا، أفكارٌ ورموزٌ ودلالات لا حصر لها."

فالماضي ليس محددًا دلاليًا بارتباطه الزماني أو المكاني المحدد، فهو وعاء التراث المخصب بقدرات الفعل البشري غير المقيدة، والمتفاعلة مع سيرورة الحياة وحاجاتها الفكرية وأنماطها الحضارية.

إن موقفنا من التراث هو انعكاس حقيقي عن فهمنا وإدراكنا للوجود والموجودات، وتصوير صادقٍ للخصوبة الفكرية التي تتخذ من التراث مادة أولى للتحليل والكشف ومن ثم إعادة إنتاجه بأدوات العصر وحاجاته وتطلعاته ورؤاه.

إن عملية فرز التراث وتحليله وإعادة إنتاجه تكشف للمبدع العربي الوشائج اللامرئية بين تراثه، وتراث الأمم الأخرى؛ لأن الذات الإنسانية واحدة وبالتالي فإن موروثها الثقافي متشابه ومتداخل ومتشابك من حيث المعنى الدلالي. فالإرث الثقافي الحي يحفظ انفعالات النفس البشرية لحظة احتكاكها بنورٍ معرفي، وهذه اللحظات ما هي إلا زمن انفلت من ذاته المتبلورة، ناشرًا فضاء يرتاده المبدعون ليخصبوا قرائحهم، ويبتدعوا فضاء آخر يتمدد ويتواصل من أجل خلق تراث كوني، أسست له لحظات زمنية منفلتة من التعريفات والحدود والانتماءات، إنها اللحظات الأكثر

إشراقًا كونيًا.

بهذا المفهوم يمكننا النظر إلى إرثنا الثقافي الحي على أنه جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني، فإذا تفتقت القرائح العربية عن فعلٍ إبداعي حقيقي فلا يعني ذلك بالضرورة اتباعًا أو تقليدًا، فربما وجد مبدع عربي نفسه في إبداعات الغربيين، وإذا ما تشابهت المعاني، فلا يؤدي ذلك إلى رميه بالسرقة والتقليد والتبعية للآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت