فهرس الكتاب
إن الحاضر واللحظة اكثر إشراقًا في تلاقي الأمس (التراث) والغد (التجديد) . وعلى المبدع أن يستغل فلسفيًا وعلميًا وفكريًا وإبداعيًا هذه اللحظة الحقيقية، ويمنحها وجودًا متميزًا بالسبق والتأصيل والاستباق، فيكون مفصلًا رئيسًا بين ثابتٍ أصيل ومتحرّك متغيّر. فيجعل من هذه اللحظة الحاضرة حلقة تصل ما بين خلف وأمام، وبقدر ما تكون هذه الصلة حقيقية وأصيلة ومبتكرة، تؤسس لنفسها وراءً مضيئًا لا يمكن استئصاله أو رفضه. وبذلك تتكرّس القيمة الإبداعية للفكر الإنساني في لحظة من لحظات انبعاثها، ويثبت هذا الفكر قدرته على خلق أنماطٍ جديدة تتجاوز الأشكال المألوفة وتتجه نحو المستقبل. وهذا التجاوز لا يتحقق إلا بمعرفة سابقة لأن"كل معرفة جديدة تكون بواسطة المعرفة الحاصلة لنا، ولكن ليس كل معروفٍ لنا يؤدي إلى معرفة ما هو مجهول لنا. فلكل مجهول معروف يناسبه، ويمكن بواسطته أن يصبح معروفًا، وكذلك ثمة طريق ينبغي إتباعه للذهاب من المعروف إلى المجهول، حتى يصبح هذا المجهول معروفًا [1] . ولذلك لابد لكل كشف من أصل يبني عليه لبلوغ المعرفة، وهذه المعرفة لا يمكن الحصول عليها دفعة واحدة بل لها أساليبها وطرقها، فالمجهول من أسرار النفس البشرية يمكن التعرف إليه وفق طرفي المعادلة الإنسانية التي تحتاج دائمًا إلى معلوم مُدرك للتوصل إلى المجهول المحتجب عن طريق الرصد والتناسب بين المرئي والمستتر وبالتناسب يمكننا"الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنفس.. ولاسيما في أهل الرياضة [2]
(1) ابن سينا، القاهرة، مطبعة مذكور، الشفاء، 1952، ج1، ص 17.
(2) المقدّمة، ابن خلدون، ص 288..