فهرس الكتاب

الصفحة 21245 من 23694

فالحداثة إذًا ارتباط بالتراث، وهي في الوقت عينه خروج على المألوف، ولذلك رأى أدونيس أن هذه العلاقة حتمية لأن الشاعر العربي المعاصر"لا يكتب في فراغٍ بل يكتب ووراءه الماضي وأمامه المستقبل، فهو ضمن تراثه ومرتبط به، ولكن هذا الارتباط ليس محاكاة للأساليب والنماذج التقليدية، وليس تمشيًا معها، ولا بقاءً ضمن قواعدها ومناخها الثقافي الفني ـ والروحي. فليس التراث عادة في الكتابة، أو موضوعات طُرقت، ومشاعر عُونيت وعُبّر عنها، وإنما هي طاقة معرفة وحيوية خلق، وذكرى في القلب والروح [1] "، ولذلك أعتبر أن للارتباط بالتراث"معنيين (...) ارتباط خلقٍ وإضافةٍ واستباق، (...) وارتباط التقابل والتوازي والتضاد [2] ."فالتراث ليس إرثًا مقدّسًا بل طاقة تفعِّل عملية الخلق والإبداع، وتحرِّض على إقامة علاقة موضوعية مبنية على النقد والتمحيص والفرز.

والتراث ليس مومياء لا حياة فيها، إنه التربة السليمة لأصالتنا، وفيه تحفِّز كمون الحاضر المعرفي، وتقدح طاقات المبدعين بشرارة فكرية تؤصل للحظة مضيئة في هيكل تفردنا الإنساني، تكون عونًا لأولئك المسكونين بقلق المعرفة والاستباق بغية نزع القشرة عن نواتها، وبعث خلق جديد منبثق عن تنوع الحياة وتناقضاتها.

إن علاقة الأفذاذ بالتراث أشبه بعملية الفصد، إنه جزء من كياننا المعرفي، ولكن يجب التخلص مما ليس سليمًا أو صالحًا للحياة. والتحرر من الفاسد لا يكون إلا بالاسئصال، وعملية الاستئصال تتوقف على مهارة المبدعين وقدرتهم على وعي التراث وفهم علاقته بالحاضر والمستقبل.

يمكنني القول إن التراث خَلْف، والتجديد بمفهومه الحداثي أمام، فهل يمكن أن يكون أمامٌ من دون خَلْف؟ وهل الخلفُ بمقطوعٍ عن الأمام؟

(1) زمن الشعر، أدونيس صفحة 45.

(2) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت