فهرس الكتاب
لاشك في إن الإبداع استباق وإضافة، وإذا لم تسهم الحركات الفكرية في إضافة ما، فهي حركات عقيمة لم تقدّم شيئًا على مستوى الإبداع الإنساني. ولم تلامس أحلام الإنسان وتطلعاته، ولم تبشّر بنتاجٍ ثقافي حي.
أن الإبداع وليد مخاض التجربة الذاتية الإنسانية الملقحة بإرث ثقافي حي وفاعل. ومسرح الصرخة الأولى مساحة اللاوعي اللامتناهية، وغير المرئية، وغير الملموسة، فتكون الكلمة الصورة الأصدق والأكثر إيحاءً وتعبيرًا عن اصطدام هيولى هذه الروح الجديدة بتموجات أثيرية لا توصف، فتتناغم إيقاعاتها وتتوحّد مع حقائق كونية أزلية لا هوية إقليمية لها.
بهذه الرؤيا أفهم الحداثة، فهي ليست حكرًا على زمن محدود أو مكانٍ معيّن. إن نتاج الحداثة منطوق أثيري لا هوية له، يبلّغ رسالة وحي هادفة، أدواتها الكلمة المموسقة بصدق التجربة بغية التواصل اللازماني واللامكاني. فالذي كان محدثًا في شعر الجاهلية، مازال يفعل في نفوسنا وسيبقى فاعلًا في أحاسيس أجيال لم تولد بعد. وما جاء بعد الجاهلية وما بعد صدر الإسلام وحتى يومنا هذا لا يمكن اعتباره محدثًا إلاّ إذا كان ممهورًا بخاصة التفرّد والمغايرة، من دون إعادة الأشكال والأنماط المعهودة.