فهرس الكتاب
إن ما تولده الحياة المتجددة من أنماط أدبية جديدة ليس بفرضية يطلب البرهان عليها بل حقيقة ثابتة راسخة أوجدتها سنّة الحياة، وما تصبو إليه من توّحد بين الذات والمعنى، هذا المعنى الجوهري المتصف بالقديم والجديد والمحدث، يلزمه ذات لفظية توازي جدّته وحداثته، وهذا يفرض وجود الإنسان المبدع المحدث القادر على خلق النموذج الأدبي الجديد لفظًا ومعنى ليحدث تغييرًا على مستوى الكتابة الأدبية في العصور جميعها، فيقابل النموذج بالرفض أو القبول، ويكون اختلاف بين قديم وحديث، وهذا الاختلاف في رأي طه حسين"أصل من أصول الحياة، يشتد الجهاد بين أولئك، وهؤلاء، حتى يتم انتصار الجديد فيصبح هذا الجديد قديمًا، ويظهر جديد آخر يحاربه [1] ".
فالحداثة حركة دائمة باتجاه المستقبل، تنبثق عن ماضٍ مضيء، لذلك يكون الكلام على ما بعد الحداثة كلامًا مرفوضًا، فالحداثة ليست لحظة زمنية محددة، إنها الجدّة التي لا تعرف البلى، وهي إبداع لا تَخَلُّق فيه، قديم من حيث الزمن، محدث متجدد من حيث الجوهر والمعنى.
فالحداثة لا تعبّر عن مرحلة آنية، وإنما هي حركة تأسيس واستباق قوامها التساؤل والكشف إنها"معادلة إبداعية بين الثابت والمتغير أي بين الزمني والوقتي فهي تسعى دائمًا إلى صقل الموروث لتفرز الجوهري منه فترفعه إلى الزماني بعد أن تزيح كل ما هو وقتي لأنه متغير ومرحلي [2] ".
ولذلك لا حداثة من دون تراث تنبثق عن بذوره الحية ثم تتجاوزها لتشكل بذورًا لحداثة أكثر جدّة وتعبيرًا عن الحياة المتغيرة في مظاهرها وأشكالها وأنساقها.
(1) حديث الأربعاء: طه حسين، دار المعارف بمصر، ج2، صفحة 5.
(2) تشريح النص: عبد الله محمد الغزالي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1987، ص 10.