فهرس الكتاب

الصفحة 21250 من 23694

النتاج الفكري الإبداعي الحقيقي هو الإنسان، ومن أجل الإنسان. فالإبداع مرادف لجوهر الإنسان وحقيقته، لأن الإنسان كما يقول أدونيس:"ليس قفصًا، بل هو اللانهاية. ليس إقامة، بل سفر دائم. الإنسان هو ما يتجاوز الإنسان، إنه موجود يما يأتي [1] "فهو سر الحداثة، وهو الطاقة المبدعة التي تعني بالتعبير عن روح الثقافة الإنسانية، وهو الخلاق الذي يسكنه الحدث وينغرس فيه، جاعلًا منه الصيغة الأساس التي يبني عليها كيان تعبيري يفصح عن مكنوناته الإنسانية وتطلعاتها.

من أجل هذه القضية لم يقف امرؤ القيس أمام الصحراء عاجزًا، ولم يحتم بإرث والده السلطوي، ولم يتبن عرفًا سائدًا، بل خرج على العرف والمألوف وأحدث لرؤاه مسارًا مغايرًا جعل منه أصلًا لمساراتٍ لا حصر لها. فخرج على المفاهيم المعهودة وغيّر في نظام الأشياء وكيفية رؤيتها، فاخترع من رؤيته وفهمه لمحيطه، معاني صاغها شعرًا، لم يسبقه إليه قائل، ثم جاء بعده من استخرج من هذه المعاني صورًا جديدة فأبدعوا. ولذلك وضع ابن رشيق تعريفًا للمخترع، متخذًا من امرئ القيس نموذجًا للمخترع، وواصفًا من جاء بعده من الملقحين بتجربته الشعرية بالمولدين، مدعمًا رأيه بالبراهين، قال:"المخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس:"

سموت إليها بعدما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالًا على حال

(...) والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدّمه أو يزيد فيه (...) و الإبداع إتيان الشاعر بالشيء المستظرف (...) فالاختراع للمعنى، والإبداع للفظ [2] "."

(1) زمن الشعر: أدونيس، ص 317.

(2) العمدة: ابن رشيق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، ط 2، عام 1955، ج1 ص 262 ـ 263 ـ 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت