فهرس الكتاب
استطاع امرؤ القيس أن يتبع حركة الواقع من حوله، وأن يرصد بعينه الثالثة ما تولده هذه الحركة من قلق وخوف، إنه الواقع المفجوع بأمنه واستقراره، فضاؤه سراب يشحن إنسانه بالاستسلام والتبعية والعبودية. فالمكوث عنده نهاية والارتحال طريق، وبين المكوث والارتحال تغريب واغتراب وألمٌ ونفي، إنه نفي الذات المصلوبة بألمها عن إنسانها.
رفض امرؤ القيس نفيه الروحي، وتمرّد على أشكال العبودية والاستسلام والتبعية وألّه حريته وموهبته وعظمة الإنسان فيه. فمجّد تفرد ذاته، وتعالى على وحدته بوحدته، ونفى اغترابه باغترابه، وبارك الألم بألمه، وصرع القلق بقلقه. فكشف عن معاناة الإنسان في صحراء تمارس سيادتها على مصيره، تبلوه وتبتليه، فيخضع، وينقاد رابطًا غده بسرابها.
هذا الارتحال القسري الفاجع جابهه امرؤ القيس بفعل يرفض هذه الحركة الارتحالية الاعتباطية المفعّلة بالخوف والقلق، فلم يكن وقوفه على أطلال الأحبّة يهدف إلى البكاء والألم، بقدر ما يهدف إلى خرق العادة، إنه دعوة إلى التأمل وإثبات الذات، بغية فضح الواقع والكشف عن الأسباب المقنعة وراء عجز الجاهلي وانقياده.
كان امرؤ القيس متوحدًا مع ذاته العليا، متصالحًا مع نفسه، واثقًا بقدرته على الاختراع، فرفض استسلام الإنسان فيه إلى قدره، وأدرك قدرته على خلق المثال الذي اهتم المقلدون باسمه، وأعرضوا عن معناه. ففي قوله:
قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
يبدو لي فعل الأمر"قفا"خروجًا عن عبارة الرحيل، وعلى الاستسلام للقهر والبعد والتخريب، إنه التصوير الأسمى لمشاعر النفس العظيمة في التعبير عن رفضها لحدثان الدهر. إنه الرفض بالتأكيد على القبول، والنظر والفحص والتأمل، كي تبقى الصورة ثابتة في أذهان الصفوة القادرة على التغيير والانتصار.