فهرس الكتاب
يشير استخدامه فعل الأمر إلى تحول النفس الإنسانية من حالة الهروب والقبول إلى حالة الثبات والسيادة، فهو لا يتلقى وإنما يأمر. والبكاء ليس ضعفًا إنه من دلالات العطف والشفافية، فهو الآمر والقادر والعارف والعطوف والرحيم. يأمر ويبكي في آن معًا، مسكون بالقسوة، ويسكنه حنين الذكريات، هو المهجّر البعيد والقريب إلى أمكنة يعرفها، والمعرفة طريق لتحطيم صنمية الاستسلام والقهر.
لم يأت تمرده على الواقع ضجيجًا ثوريًا، إنه الرفض بالقبول. تستفزه الصعاب ينطقها، تتحداه وحشة الصحراء يؤنسنها، تسخر منه الرياح ورمال الصحراء، يموسقها. فالتجربة عنده عبور نحو ذاته العليا، ليكرِّس وجودها سيادة وحرية، حضورا ًواستباقًا، كشفًا وبوحًا، تفجرًا وتواصلًا وتأسيسًا. إنه البحث عن تمجيد ذاته الإنسانية:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المال
ولكنني أسعى لمجدٍ مؤّثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي [1]
لقد جسّد شعر امرئ القيس انكشاف الأنا على ذاتها، ومن ثم انعتاقها وتحررها في سفرٍ لا زمني اخترق الحاضر الجاهلي وأسس في المستقبل نموذجًا محدثًا لا تتخلق جدّته. وإذا كانت الأثواب قديمة في رأي الناقدين، فهي في الحقيقة أجساد مادية لأرواحٍ لا تعرف الكهولة. وسيجد كل باحث متفرّد مبدع وفي كل زمانٍ ومكان، ومضًا من معانٍ لم يفصح عنها، بعد أن أطلقها امرؤ القيس من أعماق إنسانيته. فكان شعره نموذجًا في الشكل عند الكثير من المولدين والمبدعين والمقلدين، وسيظل تعبيره عن الذات الإنسانية خالدًا ومتجددًا، لأنه لم يكن في تجربته ناقلًا بل متخيرًا [2] .
ولقد أكّد ابن قتيبة [3] توليد الشعراء للمعاني من أقوال امرئ القيس كقوله:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
(1) الديوان صفحة 57.
تخيّرني الجن أشعارها ... فما شئت من شعرهن، اصطفيت
(3) الشعر والشعراء: ابن قتيبة ، دار الثقافة بيروت، ج1، ص 56 ـ 70.