فهرس الكتاب

الصفحة 21253 من 23694

يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستجر

إن اختراع امرئ القيس نموذج الوقوف على الأطلال، أفقده المقلدون خاصته الفنية وتحوّل إلى عرف وقانون لا خروج عليهما، مما دفع بأبي نواس إلى السخرية من هؤلاء الواقفين والباكين، لأنه أدرك"أن الزمن تيار يحرر ويمحو، لكنه قرن هذا الإدراك بمعرفة ثانية هي أن الزمن أيضًا يمنح الأشياء حضورها وقوتها، ويرينا عمق حياتنا الماضية، وأفق حياتنا الآتية، وكثافة حياتنا الحاضرة [1] ". فأكسبته هذه المعرفة رؤيا كشفت أمامه رغبة النفس في تجاوز حاضرها، وارتياد المستقبل.

أدرك أبو نُواس قيمة الكشف عن حقيقة الأشياء، وأهمية نقض الموروث المحنَّط وضرورة خلق حضورٍ فكري ثقافي يرفض الصنمية، ويتعالى على جمودية التلقي، ليخرج على العرف والعادة بالبرهان العلمي وبتحقيق فعل ما يضمره النطق الذي يعطي الصورة الحقيقية للمعاني المضمرة والمستترة. فنطق بما أحس وآمن، داعيًا إلى التخلي عن كل ما يتنافى مع الفكر ورفض التقليد، فرأى في الوقوف على الأطلال عبودية فكرية لزمن يعينه تاريخيًا وتأصلًا، وينفصل عنه تجربة وحياةً، لأنه ينتمي إلى واقعٍ مغاير، له أدواته وظروفه وخصائصه.

فالحياة الجاهلية، وما يتبعها من أساليب معيشية وفكرية متنوعة، لا تعنيه وجدانيًا أو عاطفيًا، إلا بقدر ما اكتسبه من جينات ساعدته على النمو والتواصل، من دون أن يكرر صور الماضي وأشكاله أو يسجن إنسانه في صدفة لا تجدد فيها. لأن الشعر مع أبي نُواس ليس نقلًا وتصويرًا إنه نزوع ومغامرة، الهدف منه رصد حركة الزمن واستجلاء أسراره، فأراد أن يكون شعره تعبيرًا صادقًا عن حقيقة العصر، وبوحًا جماعيًا ينقل تجربته الذاتية التي تختزل الأنا الإنسانية الجماعية، وتهدم صنمية الموروث، وتبث العالم من حولها حركة لا تنتهي تهدف إلى الكشف الدائم.

(1) ديوان الشعر العربي: أدونيس، دار المدى للثقافة والنشر، ط 1986، ج2، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت