فهرس الكتاب

الصفحة 21292 من 23694

وهكذا يَبلُغ الإنسان الكمال."فالرجلُ كُلُّ الرَّجُلِ مَن آتى الزكاةَ ورَحِمَ المسكينَ وتبرَّعَ بما لا يجب عليه وكَرِه الحِنثَ وكَفَّرَ عن اليمين" [1] .

حان لنا أخيرًا، بعد هذه المحطات، أن نتوقف قليلًا موجزين خلاصة رأي المعري في الخير والشر. فنقول: إن المعري لا ينظر إلى الخير مستقلًا عن الشر، فهما معًا مجتمعان في النفس الواحدة. وهذا يعني أن العلاقة بينهما جدلية، فقد ينجم الواحد من الآخر. أمّا الصراع بينهما فسيبقى ما دام العالمُ قائمًا، وما دام التركيبُ هو طبيعةَ الكائن الحيّ.

أما الخيرُ فمِن طبائعه عند المعري أنه خفيّ. وهو مُكتَسَب بل معدوم. وإذا كان محبوبًا، فإنّ عجز الإنسان عنه أدى إلى كثرة الشرور وغلبتها. لهذا كان تجارة رابحة يُورِث الفوز.

والخير عنده مُعدٍ، وهذا ردٌ على طابعه الخفي ودعوة إلى إبرازه لِلعيان، ليكون ظاهرًا، عامًا، منتشرًا بين الناس.

وأمّا الشرّ، فغريزة في الإنسان، يَحكم أعمالَه. ويتّسم بالعمومية والشمول والظهور. وهو موروث ويُوَرِّثُ الضلال.

فإذا سألنا المعري عن أسباب الشر وجدناه يلخّصها بالتواني عن فعل الخير، وكثرة الناس، وطلب المعالي بل طلب المستحيل، والابتعاد عن الدين، وقسوة القلوب وعقوق النفس. ويُلخِّص هذا كلُّه عنده بالشهوة: شهوة العين والنفس والجنس.

فإذا أعدنا سؤاله عن الحلّ، راح يدعو إلى فعل الخير لذاته مقترنًا بِنيّة الفعل. وعلى الإنسان في هذا المقام أن يُكرِه نفسه على فعل الخير، أو فليمتنع على الأقل عن ارتكاب المعاصي.

ومن القِيَم الإيجابية التي دعا إلى التحلّي بها للخلاص من الشرور وإقامة مدينته الفاضلة، نذكر: عقوق النفس، والتحلّي بالصبر على المكاره، والاتكال على الله، والتقوى (بالمغفرة والصَّفح والرحمة) . ويُلخَّص هذا كلُّه بممارسة الفضائل والزهد. ولكنّ الخلاصَ الحقيقي لا يكون إلا بمفارقة الروح الجسدَ.

(1) م.ن 280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت