فهرس الكتاب
... وقد تأوَّلَ الناس في هذه الأبيات تأويلَيْن غير التأويل الذي ذكرنا، أحدهما تأويل أبي عبيدة مَعْمر بن المثنَّى [1] ؛ وذلك أنَّه كان يذهب إلى أن الاسم في هذه المواضع زائدْ، والتقدير عنده: تداعَيْن بالشِّيب وداعٍ يناديه بالماء وإلى الحول، ثم السَّلام عليكما. والتأويل الثاني حكاه ابن جني [2] عن أبي علي الفارسيّ، وهو أنّه كان يحمل هذه الأبياتَ على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه، والتقدير عنده يناديه باسم معنى الماء، واسم معنى الماء هو الماء بعينه [3] . وكذلك تداعين باسم الشِّيب، أي باسم معنى الشِّيب، واسمُ معنى الشِّيب هو الشيب بعينه. وكذلك قول لبيد: ثم اسم السَّلام تقديره عنده: ثم اسمُ معْنى السلام، واسم معنى السلام هو السلام بعينه، فتأوَّلها أبو عبيدة على أنَّ في الكلام زيادة، وأوَّلها الفارسي أنَّ في الكلام حذفًا، وهو ضدُّ قول أبي عبيدة. والقول يوجب في الكلام حَذْفًا وهو ضد قول أبي عبيدة، والقول: [الثاني لا يوجب] [4] زيادة ولا حذفًا، فهو أولى بالتأويل.
(1) معمر بن المثنى، أبو عبيدة: من أئمة اللغويين، ولد في البصرة، قرأ عليه هارون الرشيد شيئًا من كتبه. توفي سنة 209 هـ. الأعلام 7: 272.
(2) الخصائص: 1: 30. قال ابن جني: (( فأبو عبيدة يدَّعي زيادة ذي واسم، ونحن نحمل الكلام على هناك محذوفًا. قال أبو علي: وإنما هو على حذف المضاف، أي: ثم اسم معنى السلام عليكما، واسم معنى السلام هو السلام، فكأنه قال: ثم السلام عليكما. فالمعنى ـ لعمري ـ ما قاله أبو عبيدة ولكنه من غير الطريق الذي أتاه هو منها، ألا تراه هو اعتقد زيادة شيء، واعتقدنا نحن نقصان شيء؟! ) ). وانظر: شرح المفصل 3: 13 ـ 14.
(3) كتاب الشعر: 33. وجعل أبو علي الاسم هو المسمَّى من باب الاتساع، لمصاحبته له، وكثرة الملابسة.
(4) ـ زيادة يقتضيها السياق، ويبدو أنها كتبت وطمست في التصوير.