فهرس الكتاب

الصفحة 21486 من 23694

ومنزلي مستهدمٌ مقفرٌ ... منفردٌ في وَسَط المَقْبره

وكانت ذروة التحول في رؤية الأحنف عندما اكتشف أن القصيدة لا تغني عن رغيف الخبز. وأن الشعر لا يقوم مقام الدقيق في البيت وأن نداء المعدة الخاوية أقوى وأشد ضرامة من نداء العقل والخيال فقال [1] :

رأيْتُ الشعرَ لا يُغني فتيلًا ... إذا ما البيتُ أعَوزهُ الدقيقُ

إذا نفد الدقيق فقدْتُ عقلي ... ويبقى العقلُ ما بقيَ الدقيقُ

وإذا كان الأحنف يروي في ديوانه الكثير من تجاربه اليومية والأحداث التي تقع في حياته، فإنه قليلًا ما يتحدث عن أهله أو أسرته، ومن خلال شعره نتبيّن أنه مر بتجارب أسرية مخفقة، وأن له زوجة مشاكسة قال فيها [2] :

وإنَّ إلهي قدْ بَلاني بزوجةِ ... وركَّبَ فيها ما يضرُّ ويفسدُ

نقارٌ وتعبيسٌ ووجهٌ مكلحٌ ... وتبصقُ في وجهي، فوجهي مسوّدُ

وكان ما يتمناه [3] :

مُنايَ من الدنيا على الله زوجةٌ ... من البيضِ حسناءُ الخلائق والخَلْقِ

ودودٌ ولودٌ برَّةٌ ذاتُ عِفْةٍ ... تُعينُ وتجدي عند مُتسعِ الخَرقِ

ويذكر الأحنف أن له بنتًا تمنى موتها قبل موته، ليس كراهية لها، ولكن إشفاقًا عليها، وخوفًا أن تصير إلى زوج لئيم، يذلها ويشتم أهلها.

ويشير الأحنف إلى الأمراض والأوجاع التي أنهكت جسده، وأضعفت قواه فيذكر منها إلى جانب عاهة الحنف وضمور الساقين العمى الذي أصيب به في أخريات أيامه وعلل الشيخوخة التي أنهكت قواه الجسدية، وتركته عاجزًا عن قضاء حاجاته وتصريف شؤونه الحياتية [4] :

صروفُ الليالي صيَّرتني كما ترى ... أدبُّ دَبيبَ السّخَلِ ساعةَ يولدُ

وألتمسُ الجدرانَ بالكفِ والعصا ... وأحبو كما يحبو الوليدُ المبلَّد

ومَنْ عاشَ من بعدِ الثمانينَ أربعًا ... تمنّى ورودَ الموتِ والموتُ يخلدُ

شعر الأحنف:

(1) ديوانه ص376.

(2) ديوانه ص199.

(3) ديوانه ص388.

(4) ديوانه ص210، والسخل: ولد الشاة الذكر أو الأنثى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت