فهرس الكتاب
والواقع أن الإحاطة بجوانب السيرة الذاتية للأحنف العكبري مما يتعذر على الباحث أن يلم بها، فالمصادر التي انتخبت بعض قصائده ومقطعاتها القصيرة أهملت حياته الشخصية، وفي هذا المجال يبقى شعره خير وثيقة تسعفنا في تتبع خيوط حياته الشخصية العامة، دون أن تسعفنا بمعلومات دقيقة أو تفصيلية عن ولادته وأسرته ونشأته، ومراحل تعليمه وعلاقاته الاجتماعية.
وما نجده من إشارات في شعره هو من قبيل الاعترافات الذاتية، بما تحمل من العمومية، ولكنها بالرغم من ذلك تبقى هامة، لأنها تضيء جوانب محطات أساسية من جوانب حياته وسيرته العامة.
يصف الأحنف ذاته بأنه شاعر وأديب وعالم عرف علوم الفلسفة والفلك والحكمة، لكن سوء طالعه رمى به إلى زمن انصرف أهله عن العلم والأدب وناصبوا الأدباء والعلماء بالمناكدة والعداء [1] :
أشكو إلى اللهِ ما ألقاهُ من نفرٍ ... يرونَ علميْ إذا ذاكرتهم خَرَفا
إن قلتُ قولًا حكيمًا قال قائلُهم: ... لقمانُ صيّرهُ من بعدهِ خَلفا
متى تمثّلتُ عن فهمٍ وفلسفةٍ ... سبوا أبقراطَ من جهلٍ وما وَصَفا
أوفُهْتُُ عن أدبِ أو ذكرِ مكرمةٍ ... سبّوا ابنَ قيسٍ وسبّوا الشعرَ والحنفا
ويبدو أن الأحنف انشغل في مرحلة من مراحل حياته بطلب العلم وانقطع إلى القراءة والأدب فوجد في ذلك ما يغني عن متعة الأنس والزاد والشراب فكان يقول [2] :
ومحِبْرةٍ تؤانسني بحبرٍ ... أحبُّ إليَّ من أُنسِ الصديقِ
ورَزُمةِ كاغدٍ في البيتِ عندي ... أحب إلي من عدِلْ الدقيقِ
ولطمةِ عالمٍ في الخدِّ مني ... أحب إلي منْ شربِ الرحيقِ
ولكن مقومات هذه الصورة اهتزت حين اشتدت به الحاجة ولم يعد العلم يسعف حامله على تدبر أمور عيشه وأسباب دنياه، وصار الانقطاع إلى الأدب من سوء الطالع الذي لا يجلب سوى البؤس والفقر [3] :
حسبي مَن الحِرْفةِ أني امرؤٌ ... مَعيشتي من باطنِ المِحبْره
(1) ديوانه ص358.
(2) ديوانه ص396، والكاغد: الورق والقرطاس.
(3) ديوانه ص239.