فهرس الكتاب
وللأحنف أكثر من قصيدة ضمنَّها ألفاظ المكدين الاصطلاحية، من بينها: قصيدته الدالية السابقة وثلاث قصائد أخرى، واحدة منها في رثاه المشيع الكساح، ويبدو أنه من بهاليل المكدين، وأخرى في رثاء القاضي ابن دراج، وله قصيدة في الكدية يصف فيها علاقات المكدين وتجوالهم ومعاناتهم جاء فيها [1] :
إذا مرضتُ فعوادي ميازقةٌ ... أولادُ ساسانَ أهلُ الضرِ والعجفِ
إني وطائفةٌ منهم على خلقٍ ... من كل ممتحنٍ ينمي إلى سلفِ
هم الصعاليكُ إلا أنهم عدلوا ... عن السلاح إلى الأخبار والنتفِ
مشردونَ حيارى في معايشهم ... ليس الفقيرُ من الدنيا بمنتصفِ
الناسُ في الحَرِّ في خيشٍ وفي نِعمٍ ... ونحنُ في الحر في القيعانِ كالهدفِ
يسقون في الخيش بالموزونِ إن عطشوا ... ماءَ الثلوج وماءَ المُزْن في لطفِ
ونحنُ نشربُ ماءَ السجلِ في عطشٍ ... شربَ الكلابِ بلا كوزِ لمغترفِ
فإن سكنَّا بيوتًا فهي مقفرةٌ ... أو في المساجدِ أو في غامضِ الغرفِ
ولعلنا مما سبق نقول: إن الأحنف شاعر صور لنا عصره ومجتمعه في صورة دلت على اختلال القيم واختلاط المعايير، واضطراب الأوضاع العامة، وتراجع مكانة الأدب والأدباء، وجنوح طائفة منهم تحت وطأة الحاجة والمعاناة إلى امتهان الكدية والمخرقة والتظاهر بالتحامق والجنون.
وبالتالي فقد جسد في شعره مساحة واسعة للشكوى الذاتية والنقد الاجتماعي، الذي
لامس تشخيص الأسباب وتحديدها في رؤية نافذة كانت على قدر واسع من التحليل الفكري والسياسي [2] :
رأيتُ في النومِ دنيانا مزينةً ... مثلَ العروسِ مشتْ بين المقاصيرِ
فقلتُ جودي فقالَت لي وقد حَسرَتْ ... إذا تخلصتُ من أيدي الخنازيرِ
(1) ديوانه ص357، العواد: زائرو المريض، والميازقة: الشحاذون والمتسولون.
(2) ديوانه ص253، والمقاصير: مفردها مقصورة، وهي الدار الواسعة المحصنة.