فهرس الكتاب

الصفحة 21497 من 23694

ومن الطبيعي أن الثقافة تتأثر بكل ذلك فإذا ما ذكرنا حلب في زمن سيف الدولة الحمداني، 333ـ 356هـ، رأينا أن الفرق كبير بين ما كانت عليه آنذاك وما هي عليه بعد هذا الحصار، فقد كانت حلب في ذلك الزمن تضم رجالًا كابن جني، والفارابي، والمتنبي، وأبي فراس الحمداني، على حين أنها قبل دخول نور الدين إليها لم يكن يوجد فيها إلا عدد قليل من الأعلام، بحسب ما ذكر راغب الطباخ في كتاب"إعلام النبلاء"، لا يتجاوزون العشرين، كلهم من الفقهاء والشعراء، وهو حال كان موجودًا في القرن الخامس الهجري في حلب، إذ لم يذكر الطباخ من هؤلاء إلا أربعة وعشرين اسمًا، أما المدارس فليس لها ذكر.

وعندما ملك نور الدين حلب في عام 541هـ، تغيرت الأمور، ليس في حلب فقط وإنّما في بلاد الشام التي خضعت لحكمه أيضًا.

فقد استطاع نور الدين أن يحرر الكثير من البلدان والقلاع، وعلى رأسها حلب ودمشق، من احتلال الصليبيين، أو سيطرتهم، في خلال تلك المدة القصيرة التي امتدت بين 541 و 569هـ، على حين أن الصليبيين كانت لهم السيطرة المطلقة على تلك المنطقة، منذ بداية الحروب الصليبية في عام 490هـ، وقد كانت الظروف السياسية المتمثلة في تمزق الدولة الإسلامية إلى دويلات وإمارات صغيرة متنازعة فيما بينها، أمراؤها منشغلون في الحفاظ على مصالحهم الخاصة ونفوذهم، على حساب مصلحة شعوبهم، وإن اقتضى ذلك المصالحة مع الصليبيين مقابل جزية تدفع للصليبيين، أو التآمر معهم ضد غيرهم من الأمراء الذين قد ينافسونهم على البلاد التي يحكمونها.

فكيف استطاع نور الدين الشهيد، الملك العادل، أن يفعل هذا في خلال أقل من ثلاثين عامًا تمتد ما بين 541 ـ 569؟ ذلك السؤال لا تمكن الإجابة عنه إلا من خلال تتبع العلاقة بين السياسي والثقافي.

السياسي والثقافي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت