فهرس الكتاب
إن قراءة سيرة عظماء الأمم، ولا سيّما الأمة العربية الإسلامية، تجعلنا نستنبط أن القادة الذين تذكرهم الأمة بخير هم أولئك الذين اعتمدوا على مرجعيتها الثقافية في تأسيس دولتهم، وسياسة الناس ورعاية مصالحهم. أما الذين كانوا يهملون هذه المرجعية، أو يحاربونها، فإن الأمة كانت تسقطهم من ذاكرتها. فلا عجب بعد ذلك أن أسماء قليلة احتفظت بها ذاكرة أمتنا العربية الإسلامية، بعد الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الأربعة، وهذه الأسماء هي: عمر بن عبد العزيز، وهارون الرشيد، وصلاح الدين، والظاهر بيبرس. ولعل اسم نور الدين محمود قد غاب عن تلك الذاكرة لأن اسم صلاح الدين، الذي استفاد من جهود نور الدين وأبيه عماد الدين من قبله، في تحرير بيت المقدس، غطى بإنجازه الكبير هذا على هذين الاسمين العظيمين، إلاَّ أن بعض المؤرخين عرفوا فضل نور الدين، من هؤلاء شهاب الدين المقدسي المعروف بأبي شامة، صاحب كتاب عيون الروضتين، الذي يقرن بينه وبين عمر بن عبد العزيز.
لقد استمد هؤلاء الرجال سلطتهم من الأمة التي رأت فيهم منقذًا، وراعيًا أمينًا، يخاف الله، ويحكم باسمه، فينشر العدل، ويرفع المكوس الجائرة، ويعيد الحقوق إلى أهلها، وينصر العلم والعلماء.
لقد كان هؤلاء القادة يمثلون إرادة الأمة، أما ثقافة هذه الأمة، ومرجعيتها الفكرية، فهي التي تجسد الوعي. وعندما تتسلح الإرادة بالوعي فإنها تصنع المعجزات، أما عندما تعيش على وهم قوّتها، فإنها سرعان ما تسقط أمام قوّة أكبر، على حين أن ثقافة الأمة تبقى في حالة كمون تنتظر إرادة صادقة، تعود إليها، وتعتمد عليها، لينصر كل من الطرفين الآخر، ولتتطور الأمة، وتستعيد أمجادها وانتصاراتها.