فهرس الكتاب

الصفحة 21499 من 23694

إنّ نور الدين محمود لم يفعل أكثر من ذلك، وهو عمل يمكن أن يتكرر، بل إنَّ كل صحوة تعيشها الأمة هي، على الدوام، نتيجة هذه العلاقة بين السياسي والثقافي. أما كبوات الأمة فإنها تعود، على الدوام أيضًا، إلى تلك العلاقة فيعمل السياسي باتجاه والثقافي باتجاه آخر. وأما الحال الأمرّ، والأكثر خطورة، فهي عندما يعمل السياسي على تدمير الثقافي، ذات الأمة وذاكرتِها، مهما تنوعت الشعارات التي يتم هذا الفعل تحت ستارها. إذ إن هذه الحال تجسّد صراعًا داخليًّا بين السياسي والثقافي، أو بين الدولة والأمة.

ولعلّ هذه الحال، على اختلاف شدتها وتعصبها، هي التي تحكم، بنسب متفاوتة، الأمّةَ العربية خاصة، والإسلامية عامة، منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولعلّ هذه الحال أيضًا هي السبب في الوضع الذي عليه الأمّة اليوم.

إنّ الماضي صورةُ الحاضر ومرآةُ المستقبل، فهو ذاكرةُ الأمة التي، كالفرد، لا تستطيع أن تتعاملَ مع الواقع، وتتصوّرَ المستقبلَ، إلا من خلال الذاكرة. والذاكرة إنما تتجسّد اليوم في الثقافة، فثقافة الأمة هي تاريخها الحيُّ، المستمرُّ فيها، على حين أن تاريخها في كتب المؤرخين إنما هو تاريخ جامد، قلما يعرفه أحد سوى المختصين من الدارسين. ولذلك فإن معرفة التاريخ هي معيار الثقافة، وهذه الثقافة هي أيضًا معيار فهم الواقع وتصحيح المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت