فهرس الكتاب

الصفحة 21500 من 23694

إنّ العودة إلى التاريخ، وإلى ذاكرة الأمة الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، ليست ترفًا ذهنيًّا، وبطرًا فكريًا، وليست، أيضًا، حكايةً يرويها الأجداد للأحفاد، وإنما هي من أجلنا نحن الكبار، ومن أجل أبنائنا الذين نحبّهم، من أجل أولادك، وأحفادك، أولئك الذين نراهم فنفرح لفرحهم، ونسعد بسعادتهم، ونشقى بشقائهم. ألم نفكر ساعةً بما يمكن أن يحصل لهم إذا استمرت الأمور على ما هي عليه؟ ألم نفكر بأننا قد نعيش لنرى يومًا، نريد أن ندفع عنهم الأذى فلا نستطيع؟ كما يجري اليوم في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والشيشان أو كما جرى، ولم يتوقف بعد، في كوسوفو أو في غيرها من بقاع العالم.

إن كان الأمر جدلًا بين السياسي والثقافي، والحال على ما نعرفه اليوم، فإن ما نستطيع فعلَه هو أن نحفظ لأولادنا هُويّتِهم. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه؟ تُرى هل نعي هُوِيّتنا نحن أولًا؟

الثقافة في حلب في زمن نور الدين:

كان الوضع الثقافي في حلب جزءًا من الواقع العام. فقد خربت حلب وما حولها بسبب الحروب وجور الحكّام، وعندما جاء نور الدين لم يُعد بناء الأسوار، والجسور، والترع، ولم يحفر الآبارَ، ويرفع المظالمَ، ويبطل المكوسَ الجائرةَ، ويرد الأمنَ للفلاحين في قراهم، ولسكانِ المدن في بيوتهم، فقد كان، كما يقول صاحب عيون الروضتين:"إذا فتح حصنًا لا يرحل عنه حتى يملأه رجالًا وذخائر، يكفيه عشر سنين، خوفًا من نصرة تتجدد للفرنج على المسلمين، فتكون الحصون مستعدة غير محتاجة إلى شيء" [1] ، وإنما كان إلى جانب ذلك يبني المدارس، والبيمارستانات، والرُّبُط، والمساجد، ويشجع العلماء ويقرّبهم في مجلسه، ويأخذ بنصيحتهم.

(1) عيون الروضتين، 1/227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت