فهرس الكتاب

الصفحة 21512 من 23694

ما فائدة الوعي إن لم يتسلح بالإرادة، وما قيمة الإرادة إن لم تتسلح بالوعي؟ ولا وعي إلا وعي الأمة المتركز في ذاكرتها، المتمثل في حركتها اليومية الممتدة عمقًا في التاريخ. لقد عاش الحلبيون في زمن نور الدين، وقبله وبعده كانت حلب، وستبقى. وعندما نقرأ اليوم تاريخهم نعجب كيف كانوا يعيشون في ظروف صاغها خليط عجيب من الكوارث الطبيعية، والحروب، وحصار الصليبيين، والحرق، والتدمير، وظلم الحكام، وغلاء الأسعار! ولكنهم كانوا يعيشون، ويشهد تاريخهم أنهم قاوموا كل تلك الظروف، وتغلّبوا عليها. وكان خيرَ معين لهم في ذلك الملكُ العادلُ نورُ الدين، فكانت فترة حكمه من أزهى العصور التي عاشها الحلبيون في التاريخ، علمًا وثقافة، وأمنًا واستقرارًا اجتماعيين، وازدهارًا اقتصاديًا. إنها معجزة الثقافي عندما يتحد بالسياسي. قبل نور الدين وبعده كان الفصال بين الجانبين، فكانت معاناة الأمة كبيرة.

ثمة فرق بين عصرنا وعصرهم، لقد أزال عصرنا القداسة عن المقدّسات، وبشّر بالمادة، وضحّى بالقيم، وقتل الأنموذج. فأصبحت ثقافة أمتنا اليوم في حال خطيرة من الخلخلة، مترددةٌ بين ما كانت عليه في عصرهم وما أراد لها السياسي اليوم أن تكون عليه، حفاظًا منه على السلطة.

فإلى أولئك الذين لا يستطيعون أن يروا حلًا للمآسي والأزمات التي وضعت النبوّات المزيّفة الأمة فيها نقول: عودوا بصمت، ومن غير ضجيج، ولكن بصدق وتصميم، إلى أحضان النبوّة الأولى، التي عرفت كيف تبني أمة عظيمة، وتحافظ عليها طوال خمسة عشر قرنًا. إن تلك النبوات المزيفة لم تقدم للأمة إلا مذبحًا لذاكرتها.

إنّ الأمة التي طالما وُعدت لم تتوقف عن الانتظار. ويجب علينا اليوم استنباط العبر مما جرى في الماضي، والدرس الذي يجب أن نتعلّمه هو أن يعيش كلُّ فرد منّا، يومًا بيوم، حياته كإنسان، وسيكون هذا سهلًا إذا عرف كل فرد فينا الخيوط الدقيقة التي تحرّك حياته اليوميّة، ووعى قيمتها الحقيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت