فهرس الكتاب
لا شك فيه أن التنزيل العظيم أقر بوضوح لا لبس فيه أن الناس مصدرهم من أصل واحد، كما حاول الوقوف أمام دعائم مزعومة من طرف الفكر القبلي والإقليمي التعصبي وذلك حين نزوله، سواء عند العرب أو عند من هم في جوارهم من امبراطوريات وأقوام غير عربية. وبالتالي رفض أن يكون أساسًا مثل هذه الدعائم عمادًا للمجتمع المنشود، بل يجعل من المستحيل أن يقوم عماد بنيان الأمة الجديدة على تلك الأسس التي هي من عزاء الجاهلية، ذلك لأن ما يهدف إليه القرآن في نظرته الشمولية للناس هو تكوينه أمة مفتوحة، وأن مايهدف إليه ذلك العزاء الجاهلي هو إطار مغلق.
والمتتبع منا لنصوص القرآن العظيم، يجد الكثير من آياته لا تقيم أي اعتبار للدعائم الواهية، سواء أكانت تمت بصلة إلى رابطة العرق أم إلى رابطة المصالح والمنافع، أو إلى كل ما يمت بصلة إلى عنصر (الأنا) والذي يصب كله في فضاء ضيق الأفق، هذا ناهيك عما يترتب عن هذا كله من تشتت للشمل وزرع لروح الحقد والتفرقة في أرجاء المعمورة كلها. وعليه فإن القرآن العظيم ليعد بحق أول فاتحة تأسيسية لمفهوم الأمة بمعناها الجديد، ذات الأفق الواسع والمتساوي والقائم على وحدة المستقبل والعقيدة، فهو أول ما انطلق إلى الوجود، انطلق بدعوته الإنسانية الشاملة والرافضة للقبلية والعشائرية فكان خطابه للإنسان من غير النظر إلى زمانه ومكانه.
غير أن الذي يهمنا هنا أكثر، هو أن القرآن العظيم بدأ يستقطب الفكرة الجديدة في تكوين الأمة، رافضًا كل ما سواها بأساليبه الإعجازية، فكان له منطقه الخاص في حل الإشكال القائم حين ذاك، وهذا ما سنقف عنده في معرض حديثنا عن مفهوم الأمة ودلالتها من خلال مفسري القرآن العظيم.