فهرس الكتاب
قبل أن نعرج إلى تصفح بعض تفاسير أهل الرأي والاجتهاد لمعرفة مفهوم لفظ الأمة وتصوره عندهم، لا بأس أن نشير إلى أننا سنتخذ من التفسير الكبير للفخر الرازي نموذجًا لذلك، باعتباره يحوي خصائص هذا النوع من التفسير، بالإضافة إلى بعض الوقفات عند تفسير القرطبي، غير أنه لا يفهم من عملي هذا بشأن تقسيم أهل التفسير إلى فريقين، أني أضع حدودًا بين التفسيرين، ذلك أنه من المعروف أن كل المفسرين لكتاب الله تعالى كانوا ينوون من وراء أعمالهم الجليلة، خدمة كتابه العظيم محاولين بذلك إفهامه وتقريبه لجمهور المسلمين، وعامة الناس. وعليه كان اختيارنا للتفسير بالرأي القائم على أركان المعرفة الكافية بشتى العلوم، والذي"لا يعارض نقلًا صحيحًا، ولا عقلًا سليمًا، ولا علمًا يقينيًا ثابتًا مستقرًا، مع بذل غاية التوسع في البحث والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى والاستحسان بغير دليل، ومع مراقبة الله غاية المراقبة في كل ما يقول" [1] . وهذه الأركان والدعائم نحسبها موجودة في تفسير الرازي، والقرطبي.
إن الرازي في تأويله للكثير من الآيات التي تحوي لفظ (الأمة) ، نجده يستعمل العقل، مبتعدًا كل ما أمكن ذلك عن المنقول والروايات، لذلك نراه في كل ما يذهب إليه، يردفه بالتدليل والبرهان، جاعلًا من المنطق والعقل الطابع الذي يطبع تأويلاته وكل ذلك بالطبع في حدود ما يسمح به الشرع من استحكام العقل فيه. فهو على سبيل المثال يذهب في الآية الكريمة: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك( ـ الآية [2] ، بالقول:"وأمة: قيل: هم أمة محمد (، بدليل قوله: وابعث فيهم رسولًا منهم" [3] .
(1) ـ الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. د.محمد بن محمد أبو شهبة. ص: 82.
(2) ـ سورة البقرة، من الآية: 127.
(3) ـ التفسير الكبير. الفخر الرازي. دار الكتب العلمية. طهران. الطبعة الثانية. (د.ت) ، ج4، صك 61.