فهرس الكتاب

الصفحة 21528 من 23694

أما في شأن قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا( ـ الآية [1] "، فإن كلًا من الرازي والقرطبي، قد وقفا مطولًا عند تأويل لفظ(وسطًا) ، بما في ذلك لفظ (أمة) كذلك. وفي هذا يذكر الرازي على سبيل المثال لا الحصر مسائل كثيرة في قوله تعالى: (أمة وسطا( منها قوله: واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أمورًا: أحدهما، أن الوسط هو العدل، والدليل عليه الآية، والخبر والشعر، والنقل، والمعنى.. فهو بعدما يأتي على الأدلة الأربعة الأولى يقول في الدليل الخامس الذي هو"المعنى"بقوله: وأما المعنى فمن وجوه: أحدهما: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين، ولاشك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان، فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدًا عن الطرفين فكان معتدلًا فاضلًا، وثانيها: إنما سمي العدل وسطًا، لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، وثالثها: لاشك أن المراد بقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا( طريقه المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفًا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودًا له، ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله:"وسطًا"ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودًا إلا بكونهم عدولًا، فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة، ورابعها: أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة [2] ."

(1) ـ سورة البقرة، من الآية: 142.

(2) ـ ينظر: التفسير الكبير. الرازي. ج4، ص: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت