فهرس الكتاب
أما القرطبي في مسألة الوسط فيضيف قائلًا:"ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير كان محمودًا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا تقصير اليهود في أنبيائهم" [1] .
أما عن معنى الأمة في قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه( الآية: [2] "، فإن الرازي يرى في هذه الآية مسائل ـ وذلك بعد ما يفصل في سبب إصرار أولئك الناس على الكفر ـ ومن تلك المسائل يذكر المسألة الأولى قائلًا فيها:"قال القفال: الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم على بعض، وهو مأخوذ من الائتمام" [3] ."
هذا، وبعد تعقيبه على ما ذكر، يستأنف الحديث عن معنى الأمة في الآية ذاتها، ويورد في حديثه ذلك خمسة أقوال، لكل قول أوجه، فهو يقف عند تأويل معنى لفظ (الناس) عوض لفظ: (الأمة) ، غير أن وقفته مع لفظ (الناس) ، قد بين في دلالته معنى لفظ (أمة واحدة) الذي تلا لفظ (الناس) ، بدليل قوله:"إن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله:"(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة(، وذكرنا أن كثيرًا من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود، فقوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة(، أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة، على دين واحد، ومذهب واحد، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، فبعث الله النبيين وهم الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام، وأنزل معهم الكتاب: وهذا القول مطابق لنظم الآية، وموافق لما قبلها ولما بعدها" [4] ."
(1) ـ ينظر: الجامع لأحكام القرآن. القرطبي، ج2، ص: 154.
(2) ـ سورة البقرة، من الآية: 211.
(3) ـ التفسير الكبير. الرازي. ج6، ص: 11.
(4) ـ م.س،ج6،ص:14 .