فهرس الكتاب
وعن قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون( [1] ، فإن القرطبي يورد قولًا واحدًا في شأن لفظ(الأمة) قد اتفق به مع الرازي، والذي يقصد منه: الجماعة من العلماء دون سائر خلق الله، بينما نجد الرازي بالإضافة إلى ذلك، يفصل فيما يذهب إليه بصفته وجهًا من وجوه التعليل، إذ الوجه الذي اتفق به مع القرطبي في شأن معنى لفظ (الأمة) في الآية الكريمة، هوأن القائلين بهذا القول، قد اختلفوا على قولين: أحدهما أن فائدة كلمة (من) هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين. والثاني أن هذا التكليف مختص بالعلماء، ويدل عليه وجهان، الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم وبالخير وبالمعروف وبالمنكر. فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر مع من يزيده إنكاره إلا تماديًا، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولاشك أنهم بعض الأمة" [2] ."
لقد تعمدنا الإتيان بهذا النص على الرغم من طول متنه ليتضح لنا مدى اجتهاد كل من الرازي والقرطبي، وطريقة تأويلهما للوصول إلى تأصيل المفهوم عن طريق التدليل العقلي والبرهنة المنطقية عندما تحتاج الضرورة إلى ذلك.
(1) ـ سورة البقرة، الآية: 104.
(2) ـ التفسير الكبير. الرازي. ج8، ص: 167؛ كما ينظر: الجامع لأحكام القرآن. القرطبي، ج4، ص: 165.