فهرس الكتاب
ولد بأصفهان، وترعرع فيها، ثمّ انتقل إلى بغداد، وفيها حصَّل علوم عصره، فكان العلاَّمة الماهر المقبول عند الخاصَّة والعامَّة، والمُحقِّق الباهر في اللُّغة والأدب والشِّعر والتَّفسير والكلام والحكمة والحديث والأخلاق والفقه... ولكنَّ حظَّه في هذه العلوم جميعها من المعقولات كان أكثر من المنقولات، وهو أوَّل من طبَّق الحكمة، أي: علم العقل على الشَّريعة، ولا غَرْوَ؛ فهو من حكماء الإسلام الكبار. وحسبُهُ فَخَارًا بعدُ أنَّ الإمام الغزاليَّ -وهو من هو -كان يُجلُّ مُصنَّفاته، ولا سيَّما كتابه: الذَّريعة إلى مكارم الشَّريعة؛ إذ كان يستصحبه ويستحسنه لنفاسته. وأمَّا الإمام البيضاويّ فطالما نقل في تفسيره تحقيقاتٍ مُنيفةً من تفسير الرَّاعب.
ولا عجبَ أن نشهد هذا الإعجاب الظَّاهر بمُصنَّفات الرَّاعب؛ فكيف تمتاز بالجمع الواسع البارع وبحسن الاختيار والذَّوق، مع دقَّة المُلاحظة وحضور النُّكتة [1] ، فضلًا عن جودة تنسيقه لفصول كتبه وسهولة عبارتها مع بلاغتها، واقتصاره في تقريره على ما يجب أن يبقى في الذِّهن ولا تعافه النَّفس لطولِه ولفِّه ودورانه [2] ."والمُحاضرات"تشهد للرَّاغب بصحَّة هذا التَّنسيق وبحسن الاختيار والذَّوق كما سيظهر لنا بعدُ في دراستنا للكتاب.
والرَّاغب في كتبه يُمثِّل لنا غيرَ رجل: فإذا ما كتب في علوم القرآن، كان من أعظم العلماء الذين يُحسنون استخراج الآي من القرآن، ويُورد دونها عند الاقتضاء دليلًا على ما يُريدون الإفاضة فيه [3] ، كما في"المفردات"وغيره. وأمَّا إذا ما كتب في الأدب، فهو فيه أديب على أكمل وجه عُرف به أديب، يضع بين يديك يتيمات النَّثر وفرائد الشِّعر باختيارٍ مُوفَّق يُحسدُ عليه، كما في"مُحاضراته"و"مجمع البلاغة".
(1) - تاريخ فرُّوخ 3 /214.
(2) -كنوز الأجداد /257.
(3) - المرجع السَّابق /258.