الرغم من أنّ الدولة العثمانية تنسب إلى رموزها المقولة المشهورة: (فرِّق تسُد) إلا أن بلاد الشام ظلَّت في عهد تلك الدولة موحدة الأقسام الأربعة التي تعارفنا عليها فيما بعد، مرتبطة بغيرها من الأقطار العربيّة المجاورة، ولم يُصب بلادَ الشام من التفكك السياسي وما يتبعه من التفكك الاجتماعي والثقافي إلا بعد المعاهدة المشؤومة: معاهدة (سايكس بيكو) التي وضعتْ شمالي بلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي، ووضعتْ جنوبي بلاد الشام تحت الانتداب البريطاني، وطبَّق الانتدابان مقولة (فرّق تسُد) كلٌّ فيما ناله من نصيبه من بلاد الشام، فشطرتْ فرنسا حصتها إلى شطرين: شرقي وأطلقتْ عليه اسم سورية، وغربي وأطلقت عليه اسم لبنان، وفعلتْ بريطانية بحصّتها الفعل نفسه، فشطرتها إلى شطرين يفصل بينهما نهر الأردن، سمّت الشطر الواقع شرقيّه باسم شرقي الأردن، والشطر الواقع غربيه باسم فلسطين، وكانت هذه التسمية الأخيرة تمهّد في الخفاء ـ كما اتّضح فيما بعد ـ لما عُرف باسم (وعد بلفور) الذي أرهص لقيام دولة إسرائيل.
هذه المعلومات يعرفها المثقفون وأنصاف المثقفين، وهي قديمة الأسباب جديدة النتائج، أسفرت نتائجها الخطيرة إلى زعزعة الشرق الأوسط بكامله، وزعزعت كيانات الأطراف التي امتدت إليه.
وليس من مهمتنا اليوم أن نؤرّخ للحركتين الثقافية والاجتماعية لجميع بلاد الشام، فهذا الموضوع يشمل مساحة مترامية الأطراف، ويوغل في عمق قوامه قرن من الزمان.
ولنقصر حديثنا على القسم الشمالي من بلاد الشام، أي سورية ولبنان، لا لأنهما وقعا تحت الانتداب الفرنسي وحده، ولكنْ لأنهما يشكلان كتلة بشرية متجانسة تاريخيًا وفكريًا وثقافيًا، فضلًا عن التجانس الجغرافي القائم على وحدة الإقليم والمناخ، والتجانس الاجتماعي القائم على وحدة الأنساب والعشائر والأسر المكوِّنة للنسيج السكاني المتداخل بين الإقليمين الواقعين شرقي جبال لبنان وغربيّها.